ملك ما بين البحرين .. ظاهر العمر الزيداني - الجزء الأول


بحيرة طبريا

غدت السيادة على بلاد الشام في يد العثمانيين مع مستهل القرن السادس عشر الميلادي، وتحديدا في عهد السلطان سليم الأول (1516م) الذي قاد حركة توسعية كبيرة لدولته الفتية وصلت حتى مصر وقضت تماما على حكم المماليك وأنهت رسميًا آخر أثر للخلافة العباسية. بقيت الشام تحت الحكم العثماني فترة طويلة من الزمن، وأبقى العثمانيون، بعد انتهاء السيادة المملوكية عليها، على ذات التقسيم الإداري الذي اعتمده المماليك لأراضيها، فجعلوا إيالة(1) في دمشق (وكانت الأكبر والأكثر أهمية) وأخرى في حلب شمالا وأخرى في طرابلس على الساحل السوري الشمالي، وبقي هذا التقسيم على حاله حتى جاء العام 1613م وصدر فرمان من الباب العالي بتشكيل إيالة رابعة في الشام هي إيالة صيدا.

بعد فترة من النزاع بين الوالي العثماني في دمشق وبين الأمير فخر الدين الثاني (1572م - 1635م) رأس الأسرة المعنية وحاكم جبل الدروز وإمارة الشوف في جنوب لبنان والذي قاد أسرته لتوحيد معظم إمارات الساحل السوري في تمرد على سيادة الدولة العثمانية انتهى بهزيمته وهروبه خارج إمارته لمدة خمسة سنوات واضمحلال نفوذ عائلته تدريجيا، بعد هذه الأحداث، فضل الباب العالي فصل جزء من إيالة دمشق وتكوين إيالة جديدة تكون عاصمتها مدينة صيدا الساحلية، بحيث يقوم واليها بمراقبة العائلات التي تشرف على حكم السناجق والنواحي المختلفة داخلها ويضمن استمرارية ولائهم للباب العالي والتزامهم له بضرائب تجاراتهم وخراج أراضي فلاحيهم. فشل فخر الدين الثاني المعني في مسعاه الذي كرس له نضاله الطويل في الاستقلال عن السلطة المركزية في اسطنبول رغم نجاحه لفترة من الزمن في ذلك، إلا أنه فتح المجال أمام محاولات أخرى لتحقيق ذات الهدف، منها ما قام به أمير عائلة بني زيدان ورائدها وأميرها الأول والأوحد والذي نال من الباب العالي لقب: شيخ عكا وأمير الأمراء والحاكم في الناصر وطبريا وصفد وكل الجليل .. ظاهر العمر الزيداني

ستقوم هذه السلسلة من المقالات بعرض مختصر لسيرة ظاهر العمر وحراكه التوسعي في بلاد الجليل في الشمال الفلسطيني وشبكة علاقاته السياسية والاستراتيجية الإقليمية والدولية والعلاقات داخل الأسرة الزيدانية ذاتها أثناء حكم ظاهر إضافة إلى مناقشة مختلف جوانب مشروعه التوسعي والذي كان واحداً من مشاريع الكيانات السياسية الاستقلالية في الدولة العثمانية، والتي باءت في غالبها بالفشل وبعدم القدرة على الصمود في وجه سلطة الباب العالي المركزية، تماماً كما فشل فخر الدين الثاني المعني في الشام، وكما فشل شيخ العرب همام في مصر في نفس الفترة الزمنية التي بزغ فيها نجم ظاهر العمر.

هناك نقطة قد تكون إشكاليةً يرى كاتب المقال ضرورة الإشارة إليها قبل الخوض في التفاصيل، وهي تشكل رأياً شخصياً له. صدر في العام 2012 رواية للكاتب الفلسطيني إبراهيم نصر الله تحكي قصة ظاهر العمر الزيداني في قالب روائي رائع، هي الرواية الأخيرة من سلسلة "الملهاة الفلسطينية" للكاتب تحت عنوان: قناديل ملك الجليل، وتشكل هذه الرواية، بجانب ثلاثة مقالات منشورة في مواقع ويكيبيديا، مركز المعلومات الوطني الفلسطيني (وكالة وفا) والموسوعة الفلسطينية، مصادر المعلومات الأكثر توفراً وانتشاراً عن ظاهر العمر الزيداني، وينفرد الكاتب نصر الله في مقدمة روايته بإسهاب الحديث عن "مشروع" ظاهر العمر بوصفه تحررياً كان يهدف للاستقلال والتحرر من الاحتلال العثماني وتشكيل أول دولة عربية مستقلة في فلسطين. لا مجال للخوض في دقة وصف فترة تواجد فلسطين تحت الحكم العثماني بالاحتلال، ولكن بالتأكيد يجب التنبيه على أن هذه الأوصاف الرومانسية بحق ظاهر العمر كانت مجرد مبالغة، لسببين رئيسيين: الأول؛ هو أن ظاهر ورغم نزعته الاستقلالية، لم يكن يملك أي نزعة تحررية، وظل حتى آخر فترات حياته يسعى لتثبيت دعائم حكمه وسيطرته على إمارته الصغيرة بواسطة شرعية يستمدها من الباب العالي، وقد انتهت إمارته وانفض الجمع من حوله بسبب عدم قدرته على اكتساب هذه الشرعية في النهاية، لقد كان ظاهر استقلالياً وتوسعياً بدون شك، وقد عاش سكان المدن العربية في جنوب سوريا تحت حكمه فترة ازدهار وأمان قل نظيرها مقارنة بحكم الولاة العثمانيين، إلا أنه لم يكن تحررياً، ولم يملك أي أيديولوجيا تحررية، فقد كان يبغي فقط، كما سيبين سير الأحداث، تكوين إمارة تحت سلطة الباب العالي وتستمد شرعيتها منه. أما السبب الثاني؛ فهو أن فلسطين في ذلك الوقت لم تكن كياناً معروفاً ومحدداً، وفي الواقع، ورغم انتشار اسم "فلسطين" كوصف للنطاق الجغرافي الذي يمثل الجزء الجنوبي من بلاد الشام/سوريا الكبرى/كنعان الكبرى منذ قديم الزمان (منذ المؤرخ اليوناني هيرودوت، على سبيل المثال)، إلا أن هذا النطاق الجغرافي لم يملك أبداً حدوداً واضحة المعالم تفصله عن سوريا، ولم يملك سياسياً أي قيمة إلا عندما حدد الانتداب البريطاني حدوده بعد العام 1923م، وحتى عندما شكلت السلطات العثمانية كيانات إدارية في الشام بحدود إدارية تشابه إلى حد كبير حدود فلسطين الانتدابية، لم تفعل ذلك إلا في القرن التاسع عشر (أي بعد انتهاء حقبة ظاهر العمر بعدة عقود) في 1830 و 1840 و 1872 لم تكن هذه الكيانات الإدارية إلا جزءاً من الكل العثماني وخاضعة لسيطرة الباب العالي. ولذا، فليس من المعقول الحديث عن "قائد فلسطيني" في ذات الوقت الذي لم تكن "فلسطين" كما يتصورها الكاتب نصر الله موجودة في وعي قائدها أو سكانها.

نقطة أخرى لا بد من توضيحها أيضاً، وهي تتعلق بمصادر المعلومات المتوفرة للباحثين المعاصرين في بحثهم في سيرة ظاهر العمر. فقد اكتنف تلك الفترة من حياة الشام وتاريخها كثير من الغموض، فقد حكمت الكثير من العائلات الإقطاعية وشبه الإقطاعية كثيراً من مناطق فلسطين وسوريا، وقام بعض المؤرخين بتأريخ فترة حكمها وسير قياداتها بكثير من التحيز وبخاصة بسبب ولاء بعضهم للباب العالي أو عدائهم له، لذا فقد يواجه الباحث في غالب الأحيان كثيراً من التناقضات في الأحداث بشكل يتطلب مقارنةً وتمحيصاً بين مختلف المصادر ومحاولة تقرير ما اتفقت عليه غالبيتها، كُتبت سيرة ظاهر العمر مرتين على يد اثنين من أحفاد وزيره العكاوي إبراهيم الصباغ، هما عبود وميخائيل الصباغ، إحدى هاتين السيرتين نُشرت من قبل فيما لا تزال الثانية مخطوطاً بحاجة للتحقيق والنشر، تمتلئ هاتين السيرتين بالكثير من التناقضات فيما بينهما، والتناقضات داخل النص الواحد، إضافة إلى الاختلاف مع مصادر تاريخية أخرى أرخت لذات الفترة الزمنية. كذلك فقد ورد ذكر ظاهر العمر لدى مؤرخين آخرين أرخوا لتاريخ الشام أو لتاريخ بعض العائلات الحاكمة في بعض مناطقه، فكانت هناك مصادر عاملية (نسبة لجبل عامل) وشهابية (نسبة للشهابيين امتداد المعنيين حكام أمارة الشوف) وغيرها، كما وردت نتف من سيرة ظاهر لدى بعض المؤرخين المصريين الذين غطوا سيرة حلفاء وأعداء ظاهر من بكوات مصر من المماليك وعلى رأسهم عبد الرحمن الجبرتي، إضافة إلى استفادة بعض الباحثين من الرسائل الرسمية التي كان يرسلها قناصل الدول الأوروبية في ولاية صيدا ونوابهم في عكا إلى حكومتهم في فترة حكم ظاهر، واستفادتهم كذلك من تغطية بعض الرحالة الأوروبيين القدماء لتاريخ الإيالات العثمانية في القرن السابع عشر كالفرنسي كوستانتين فولني والإيطالي جيوفاني ماريتي. يظل واحداً من أهم المصادر وأبواب المعلومات عن سيرة ظاهر غير مطروقاً لحد الآن، وذلك طبقاً للمراجع التي طالعها كاتب المقال والتي لم يبد أنها حاولت الاستفادة منه، ألا وهو السجلات العثمانية، والتي - كعادة السجلات الرسمية لأي دولة تاريخية - تخبأ الكثير مما قد يفاجأ الباحث ويغير وجهة نظره عن الكثير من الأحداث التي تناقلتها المصادر الأخرى.

ظهرت عائلة الزيادنة على مسرح الأحداث في الشمال الفلسطيني في وقت ما خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر، لا يُعرف على وجه التحديد الوقت الذي وصل فيه الزيادنة إلى مركز تواجدهم الرئيسي في قرية عرابة البطوف (تتبع ناحية الشاغور - سنجق صفد)، ولا يُعلم على وجه التحديد مسقط رأسهم الأصلي، على ان قسما كبيرا من الآراء يرجح أنهم قدموا من الحجاز في سنوات القحط، من المدينة المنورة أو من الطائف، وحاولوا البحث عن لقمة عيشهم في مكان آخر (في الشام)، فكان أن نزلوا بداية بمعرة النعمان في مضارب عرب بني أسد في مكان بين إيالتي دمشق وحلب، وبعد فترة من التنقل مع بني أسد اضطروا لمغادرتهم لأسباب غير واضحة، ووصلوا أخيراً بعد فترة قصيرة من التنقل إلى بلاد الجليل، حيث وفرة المراعي والأراضي الخصبة فرعوا ماشيتهم وزرعوا الأرض وتمتعوا أخيراً بالاستقرار بعد سنوات من التنقل، وهناك، وفي العام 1689م تقريبا ولد ظاهر العمر الزيداني، أصغر أبناء الشيخ عمر الصالح الزيداني.

يكتنف تلك الفترة من حياة ظاهر وتاريخ الزيادنة عموما الكثير من الغموض وتتناقض الكثير من الروايات التي ينقلها مؤرخو سيرة ظاهر العمر وغيره من الأمراء الشاميين أو مؤرخو تلك الفترة من حياة بلاد الشام عموماً فيما يخص الظروف التي أحاطت بصعود الزيادنة وانخراطهم في العمل لدى مؤسسات الدولة، ونجد عدداً من المؤرخين يتفقون على جعل حادثة "معركة قرية سلامة" التي وقعت في في أواخر العقد الأخير من القرن السابع عشر منطلقا لصعود نجم هذه العائلة، فقد كانت قرية سلامة المركز الرئيسي لعائلة درزية حاكمة في ناحية الشاغور تتولى بأمر من والي صيدا التزام الناحية وقد كان رئيسها على خلاف دائم مع غالبية سكان قرى الناحية من المسلمين السنة والمسيحيين وقد تصدى الشيخ صالح الزيداني (جد ظاهر) بمعاونة عائلته لهم وقام بنصب كمين لهم في قريتهم وقتل رئيسهم ودمر القرية عن بكرة أبيها، والتي لم تعد تسكن منذ ذلك اليوم وأصبحت تُعرف باسم "خربة سلامة"، وقد رفع ذلك من أسهم الزيداني لدى أهالي الناحية، وجعلهم يرسلون لوالي صيدا بمطالبتهم بتعيين الزيداني ملتزمًا عليها، وهو الذي حدث فعلا في حدود العام 1698م، ولكن يشوب هذه الرواية شك مرده إلى أن تلك المنطقة من إيالة صيدا وفي ذلك الوقت بالذات كانت تخضع للحكم المباشر للأمراء الشهابيين، وقد أوردت مصادر أخرى أن الشيخ صالح الزيداني قد نُصِّب ملتزماً بأمرٍ من الأمير بشير الأول بن حسين الشهابي(2)، وقد توفي صالح الزيداني في عام 1701 تقريباً وفي ذات العام نُصِّب ابنه عمر الصالح الزيداني ملتزماً على طبريا والدامون وعرابة البطوف بأمر من الأمير منصور الشهابي، وبعد أربعة سنوات توفي عمر نفسه واتفق أولاده على توكيل أخيهم الأصغر ظاهر بمهام الإلتزام وقد نالوا وقتها الموافقة على وضعه في هذا المنصب من والي صيدا مباشرةً(3).

كان ظاهر في ذلك الوقت شابًا صغيرًا غير ملم بأمور الحكم وطريقة التعامل لا مع الدولة وممثلها في صيدا من جهة ولا مع الفلاحين وأهل الأرض من جهة أخرى، في الواقع، كان تعيين ظاهر (والذي كان أصغر أولاد عمر الزيداني) ملتزمًا على تلك المناطق اسميًا وصوريًا لا غير، والذي حكم فعليًا هم إخوته سعد ويوسف (الذين تولوا أمر عرابة البطوف وطبريا) وعمه علي (الذي كان ملتزمًا على الدامون تحت اسم أخيه عمر قبل وفاته وظل كذلك عندما تولى ابنه ظاهر الالتزام اسميًا خلفًا لأبيه)، وذلك خشية منهم أن تظهر أسمائهم في سجلات الدولة بسبب تأخرهم في دفع مستحقات الإلتزام من أموال الميري لوالي صيدا. ولكن يبدو أن هذا الحذر لم ينفع إخوة ظاهر في شيء، فقد ألقى سليمان باشا العظم والي صيدا (من 1728 - 1731م) القبض على أخ ظاهر الأكبر (سعد العمر) سنة 1730م  بسبب تأخره في دفع مال الميري لصالح الوالي ولم يخرج من السجن إلا عندما افتداه عدد من شركائه في تجارة القطن من الفرنسيين بدفع قسط من المستحق عليه. وقد كانت هذه الحادثة سبباً في علاقة متوترة ستنشأ بين الزيادنة وسليمان العظم لاحقاً وقت توليته إيالة دمشق. وقد كان ظاهر قد نال نصيبه من معاداة ولاة صيدا مبكراً كذلك حينما شارك في صد هجوم الوالي العثماني على قلعة البعنة عام 1721م والتي هوجمت وفُرض عليها الحصار بسبب تأخر ملتزمها في دفع مستحقات الدولة من مال الميري، وقد فشلت البعنة في الصمود ضد الوالي وقواته واستسلمت له ونجا ظاهر من عقاب والي صيدا وقتها بأعجوبة.

بقي ظاهر العمر على هذا الحال ملتزماً تحت رعاية إخوته حتى العام 1730م ، والذي يجعله الباحث خالد صافي(4) نقطة تحول في حياة ظاهر وبداية لحكمه الفعلي، فقد وطد مكانته داخل عائلته، واستفاد من السنوات التي قضاها ملتزما على طبريا والدامون اسميا ليكتسب شهرة لدى ولاة صيدا وشيوخ الفلاحين وبدأ في العام 1730 حركته التوسعية الأولى داخل سنجقي طبريا وصفد مستفيدا من تحالفه مع بدو عرب الصقر تحت قيادة زعيمهم رشيد الجبر، فسيطر على قلعة جدين والقرى التابعة لها بعد أن قتل صاحبها أحمد الحسين بمعاونة من حلفائه الجدد وسيطر على قلعة صفد بعد تهديد صاحبها محمد نافع الذي هرب منها تاركًا إياها لسيطرة ظاهر، ثم سيطر على قلعة البعنة بعد أن صاهر صاحبها عبد الخالق الصالح والذي تنازل لصهره عن قلعته طواعية، وبذا تم لظاهر السيطرة على صفد وطبريا قبل عام 1735م. وحرص ظاهر مع كل حركة توسعية أن يحصل رسمياً على التزام المنطقة التي يسيطر عليها من والي صيدا الذي كانت تصله من ظاهر أموال الميري في مواعيدها وبمنتهى الانتظام ومعها الكثير من الهدايا التي تسترضي جشعه. وفي عام 1735م ولَّى ظاهر وجهه شطر الناصرة وقد كان قد صاهر واحدة من عائلاتها الكبيرة وضمها لحكمه وحصل على التزامها من الوالي كذلك ومنعها عن مشايخ وتجار سنجقي نابلس واللجون (التابعان لإيالة دمشق) والذين كانت تمثل لهم الناصرة مركزاً تجارياً مهماً، وقد كان ذلك شرارة لعداء استمر لفترة طويلة بين ظاهر والشيوخ النابلسية، وقد حسم مشايخ نابلس وجنين (آل جرار وآل ماضي) أمرهم وقرروا الخروج لحرب ظاهر وتحالفوا مع بدو عرب الصقر، كان عرب الصقر قد اهتموا بداية بالتحالف مع ظاهر لزعزعة استقرار المنطقة وجعلها مناخاً أكثر ملائمةً لنشاطهم الرئيسي في السلب والنهب وفرض الأتاوات على الفلاحين، لكن ظاهر انقلب عليهم بعد أن سيطر على صفد وطبريا ورفض استمرارهم بأعمال قطاع الطرق تلك حيث كان هدفه خلق سلطة مركزية في الجليل تتمتع بسيادة سياسية واستقرار أمني واقتصاد نشط وذلك يتعارض مع أهداف عرب الصقر، والذين فضلوا الانضمام في تحالف مضاد لظاهر مع شيوخ النابلسية الذين ساءهم سيطرة ظاهر على الناصرة كما تم التوضيح، وقد تواجه كلا الفريقين في العام 1735م في معركة كبيرة قرب قرية المنسي الواقعة على حافة مرج بن عامر بين حيفا وجنين، وانهزم النابلسية وعرب الصقر أمام عسكر ظاهر الذي أوقع فيهم مقتلة كبيرة كان من ضحاياها كبير مشايخ جنين إبراهيم الجرار، ويروي ميخائيل الصباغ (مؤرخ سيرة ظاهر) أن عدد القتلى من حلف النابلسية وعرب الصقر وصل لثلاثين ألف مقاتل وأن رائحة نتانة الجثث غمرت مرج ابن عامر لفترة طويلة بعد انتهاء المعركة، ورغم ما في كلام م. الصباغ من مبالغة واضحة، خاصة وأنه المؤرخ الوحيد الذي انفرد بذكر هذه الرواية، إلا أن كلامه يوضح الحالة التي كانت عليها المعركة والانتصار الساحق لظاهر فيها، والذي توغل بجيشه في أراضي سنجق نابلس حتى وصل إلى قلعة صانور التي كان يريد اخضاعها أيضا، ولكنه تخلى عن تلك الفكرة سريعا لحصانتها ومتانة أسوارها(5) فعاد إلى الناصرة مكتفيا بما وضع يده عليه من أرض. وجدير بالذكر أن كل ما سيطر عليه ظاهر من أراضٍ في سنجق نابلس عاد ورفع يده عنها مرة أخرى بعد صلح عقده من الشيخ محمد الجرار في مقابل أن يدفع آل جرار وآل ماضي له تكاليف الحرب التي خاضها ضدهم، ويتضح من ذلك أن ظاهر كان لا يرغب - في تلك الفترة على الأقل - أن يسيطر على أي أرضٍ لا يقدر على الحصول على التزامها رسمياً، فنابلس كانت تتبع لدمشق، وما كان الوالي الدمشقي ليمنحه التزام شيء من أراضِ إيالته قط، وكذلك فإن غرض ظاهر الأساسي من حربه مع النابلسية كان تأديبهم ولمنع تعدياتهم على الناصرة ولكف يد بدو عرب الصقر عن مزارعي القرى الخاضعة لسيطرته وعن قوافله التجارية التي كان يرسلها تباعاً إلى ميناء عكا في تجارته المستمرة مع الفرنسيين.

انتهت أولى جولات الصراع بين ظاهر ومشايخ نابلس ولكن لم تنته آثارها، من جهة، أصبح ظاهر - بالنسبة للعثمانيين - أكثر من مجرد شيخ إقطاعي صغير مهووس بالتوسع في ولاية صيدا، ومن جهة أخرى فقد تعدى ظاهر على إيالة دمشق، ولم يكن والي دمشق - في ذلك الوقت - سليمان باشا العظم (ت 1743م) ليسمح بمرور هذا التعدي بدون حساب، كما أن الرحلة السنوية لوالي دمشق لجمع أموال الميري من ملتزمي مناطق الإيالة كانت تمر حتما إلى نابلس عبر أراضي سنجق طبريا، أي في احتكاك مباشر مع مناطق نفوذ ظاهر العمر، إضافة إلى الخلاف القديم بين سليمان العظم والزيادنة والذي سبق ذكره قبل قليل. كل هذه العوامل ساهمت في جعل ظاهر العمر يستعد لمواجهة مرتقبة مع سليمان باشا، ولذا فقد بدأ عام 1737م بزيادة تحصينات عاصمة دويلته الصغيرة ومقر حكمه، طبريا، ولم يمهله الباشا سوى سنة واحدة فقط قبل أن يشن هجومه عليها، وفي وقت ما من العام 1738م كانت قوات سليمان باشا تحاصر طبريا وتدك أسوارها بالمدافع بشكل متصل لمدة 15 يومًا ولم ينجُ ظاهر أو قلعته إلا بقرار مفاجئ من الباب العالي بعزل سليمان باشا من منصبه كوالٍ لدمشق.

وخلال ثلاثة أعوام لاحقة، قرر الولاة الثلاثة الذين عينهم الباب العالي تباعًا على دمشق أن أمر ظاهر العمر ونفوذه في إيالة صيدا لا يعنيهم كثيراً، واستغل ظاهر ذلك في توطيد حكمه في الجليل وذلك بضم الدامون وشفا عمرو لحكمه المباشر. منذ بداية القرن الثامن عشر كان إلتزام الدامون في يد علي الظاهر الزيداني (أخو عمر الزيداني وعم ظاهر) وكان يلتزمها من والي صيدا بشكل غير مباشر تحت اسم أخيه عمر، وعندما توفي عمر في 1705م ظل ملتزماً عليها تحت اسم ابن أخيه ظاهر الذي تولى أمر التزامها بشكل صوري كما أسلفنا، وقد توفي علي الزيداني في نهاية ثلاثينات القرن الثامن عشر وترك التزام الدامون لابنه محمد العلي، الذي حركته الغيرة - على ما يبدو - لتقليد ظاهر في توسعاته فضم لسلطة التزامه منطقة شفا عمرو في وقت ما من منتصف الثلاثينات وفي ذات الوقت راسل سليمان باشا العظم والي دمشق محرضّاً إياه على ظاهر مع وعد بمساندته عسكرياً ضد ابن عمه. لكن مخططات محمد العلي لم تنجح، فقد عُزل سليمان باشا ولم يطل الأمر قبل أن يتعرض للاختطاف على يد ابن عمه ظاهر ويُقاد إلى قلعته في طبريا أسيرًا لفترة وجيزة قبل أن يُقتل. وسارع ظاهر بعد قتله ابن عمه للحصول على التزام شفا عمرو من والي صيدا بشكل رسمي. انتهت السنوات الثلاث التي نعم بها ظاهر بالسلام مع ولاة دمشق، وعاد سليمان باشا العظم لتولي مسؤولية الإيالة في العام 1741م وعاد مرة أخرى لمهاجمة طبريا.

هذه المرة، كان موقف سليمان العظم أكثر قوة، فابن أخيه إبراهيم باشا العظم كان واليا على صيدا، وكان مستعدا للتعاون مع عمه من أجل الحد من نفوذ ظاهر في الجليل، وفي سبتمبر 1742م خرج سليمان باشا على رأس جيشه المزود بالمدافع وبعدد من الخبراء العسكريين الذين استقدمهم من اسطنبول، قاصداً طبريا ومحاصرا أسوارها العالية، وفرض عليها حصاراً شديداً استمر لمدة ثلاثة شهور بمعاونة بعض قبائل البدو وعائلات الدروز في جبل لبنان إضافة إلى حكَّام نابلس والقدس، صمد ظاهر في طبريا قدر المستطاع وهو يعلم أن رفع الحصار عن قلعته ليس إلا مسألة وقت، فموعد قافلة الحج الشامية على وشك أن يداهم سليمان باشا في أي وقت (بدأت حملة سليمان باشا في رجب 1155هـ) وسيضطر إلى إخلاء الجيش ورفع الحصار رغمًا عنه، وقد أصابت توقعاته فعلاً مع انتصاف شهر شوال من ذلك العام، وبالرغم من ذلك، فقد أشاع سليمان باشا في دمشق خبر انتصارٍ وهمي على ظاهر وأنه ألزمه بدفع مال الميري إليه، وهو الأمر الذي يخالف فعلا ما حصل بعد أقل من عام، ففي يوليو 1743م عاد سليمان باشا وشن حملة جديدة على ظاهر بهدف القضاء عليه نهائياً ولكنها انتهت بموته في أغسطس 1743م بمرضٍ مفاجئ, وبوفاته انتهت - حتى تلك المرحلة - تهديدات ولاة دمشق لظاهر العمر، ما جعله يلتفت أكثر لزيادة توسعه في ولاية صيدا والذي كلله بنجاحه أخيرًا بالسيطرة على مدينة عكا.

كان لجولات الصراع الذي خاضه سليمان باشا العظم ضد ظاهر العمر أثرٌ في تقوية نفوذة داخل إيالة صيدا، فقد فشل والٍ دمشقي في إخضاعه بعد ثلاث محاولات خلال أربعة أعوامٍ فقط، وقد اختار الوالي التالي على دمشق (أسعد باشا العظم) مهادنة ظاهر ونزع من رأسه فكرة إخضاعه، وأصبح ظاهر مرهوب الجانب من جميع مسؤولي الدولة في صيدا، ينطبق ذلك على آغا مدينة عكا الذي فقد مدينته لظاهر في عام 1745م. كان ظاهر في عكا لا يعطي أي اعتبار لآغا المدينة أو ما يمثله كمنفذ لسلطة الدولة، وكان يتجول في المدينة بدَرَكِه الخاص بمنتهى الحرية، وقد روى القنصل الفرنسي في صيدا في رسالة لحكومة دولته أن ظاهر أرسل إلى خان التجار الفرنسيين من يقوم بإلقاء القبض على بعض التجار الذين تخلفوا عن سداد ديونهم له، بل إنه عندما ألقى القبض على ابن عمه محمد العلي ملتزم الدامون - كما سبق ذكره - فعل ذلك داخل مدينة عكا. كانت خطوة مثل الاستيلاء على مدينة ساحلية مهمة ذات مستقبل تجاري واعد مثل عكا أمراً صعباً بالنسبة لظاهر وبحاجة لحجة قوية لتبريرها أمام الوالي في صيدا والسلطات في اسطنبول، لذا فقد استمر في تصرفاته الاستفزاية لآغا المدينة وتجاهله التام لوجوده منتظراً منه أن يقع في الخطأ، وحدث ذلك فعلا عندما رست في ميناء عكا سفينة تحمل تجهيزات عسكرية أرسل الآغا في طلبها خصيصاً - فيما يبدو - من أجل معركة محتملة بينه وبين ظاهر، ولم يمهله ظاهر كثيراً بعد علمه بالموضوع فقد أرسل من يهدده ويأمره بمغادرة المدينة ويهدد أهالي عكا بالبطش بهم إن هم ساندوه(6)، فهرب الآغا من المدينة ولحقه الأهالي عندما علموا بمغادرته لهم، واقتحم ظاهر المدينة على رأس 3000 جندي من جيشه واستولى عليها.

وقع ظاهر في مشكلة أمام والي صيدا بسبب ما فعله وسيطرته على المدينة التي كانت ذات أهمية كبيرة بالنسبة للإيالة ومركز جذب مهم للتجارة الدولية، وقد برر ظاهر أمام الوالي ما فعله بسبب مشكلة شخصية بينه وبين الآغا وأن وضع المدينة بالنسبة للإيالة لن يتغير وأموال الميري الخاصة بها ستظل تصل له بانتظام ووعد بتنشيط التجارة فيها وتحسين وضعها وطلب نقل الصورة للباب العالي بناء على هذا الأساس، وهو الأمر الذي كان، وقد رغب الباب العالي في مهادنة ظاهر حتى حين، فلم تكن الظروف مؤاتية في تلك الفترة لتولي أمره وإخضاعه، وبناء عليه وافق الباب العالي على تسليم عكا لظاهر رسميا وتعيينه حاكمًا عليها في النصف الثاني من العام 1746م. ولم يضيع ظاهر وقتًا، فقد باشر فورًا بتحويل عكا إلى مدينة كبيرة وإحاطتها بسور ضخم وتشييد عدة قلاع على أطرافه وتزويدها بالمدافع وبنى فيها قصرًا كبيرًا ليجعل منها في الختام عاصمةً له ومقرًا لحكمه.

وبسيطرته على عكا، نستطيع القول أن المرحلة الأولى من توسع ظاهر قد انتهت، وأصبح يملك تحت يده سيطرة على غالبية مدن وسناجق الشمال الفلسطيني موحدًا إياها تحت حكم إمارة واحدة تمتد فيما (بين البحرين)، بحر طبريا (بحيرة طبريا) في الشرق، وبحر عكا (البحر المتوسط) في الغرب. وللحديث بقية.



(1) إيالة أو ولاية، وهي اللفظ المستخدم بالعثمانلية لوصف أكبر التقسيمات الإدارية التي استخدمها العثمانيون في تنظيماتهم الإدارية ويقوم على رئاستها والٍ (=وزير) يحمل رتبة باشا، وتتكون الإيالة من عدة سناجق (سنجق = قضاء) ويتكون السنجق من عدة نواحي.

(2) تولى الأمراء الشهابيون الحكم في إمارة الشوف وجبل لبنان بعد وفاة الأمير أحمد المُعني وقد اتفق وجهاء الإمارة على تولية ابن أخت الأمير المعني، بشير الأول بن حسن الشهابي، مكان خاله، ثم صدر أمر من الباب العالي بتولية حفيد الأمير المعني، حيدر بن حسين الشهابي عوضاً عن بشير، ولكن تحت وصايته حتى بلوغه سن الرشد.

(3) حارب الشهابيون بأمر من قبلان باشا والي صيدا أمراء جبل عامل (المتاولة)، وعلى رأسهم مشرف بن الصغير وهزموهم في وقت ما خلال نهاية القرن السابع عشر، وجزاءً لهم مُنحوا الحكم على مقاطعات جبل عامل وعلى سناجق صفد وطبريا، غير أنه وبعد عزل قبلان باشا أُخذت منهم إمارات جبل عامل وأُعيدت للمتاولة وأخذت منهم سناجق صفد وطبريا وأُعيدت للحكم المباشر لوالي صيدا ومن يختاره لتولي الالتزام فيها. وكان ذلك خوفاً من أن يكون امتداد نطاق حكم الشهابيين إغراءً لهم بتكرار تجربة أنسبائهم المعنيين الانفصالية.

(4) اعتمد كاتب هذه المقالات على مجموعة من المراجع التي درست أو تحدثت عن ظاهر العمر الزيداني، على أن أهمها والذي كان مصدراً للقسم الأبرز من معلومات السلسة هو: حاكم الجليل في القرن الثامن عشر ظاهر العمر الزيداني لمؤلفه خالد محمد صافي، ط. المركز القومي للدراسات والتوثيق - غزة 2005.

(5) كانت قلعة صانور من أشد قلاع فلسطين تحصيناً في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وتعرضت للهجوم على يد ظاهر العمر وأحمد باشا الجزار والي عكا لاحقاً عدة مرات، ولم يستطع إخضاعها وتدميرها سوى الأمير بشير الثاني الشهابي في 1830م.

(6) كانت عكا في ذلك الحين قرية صغيرة للصيد وكان تعداد سكانها الدائمين لا يتجاوز 500 نسمة كحد أقصى.

مقتطفات من رحلة ابن جبير الأندلسي إلى الشرق الإسلامي


معروفٌ باسم ابن جبير، وهو أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير الكناني، الأندلسي، الشاطبي البلنسي، جغرافي وفقيه إسلامي نشأ في الأندلس، ولد في بلنسية وسمع العلوم من أبيه في شاطبه وأخذ القرآن عن مشايخها. وصفه ابن الخطيب بقوله: كان أديباً بارعاً، شاعراً مجيداً، سريُّ النفس، كريم الأخلاق.

لم تقم شهرة ابن جبير في الأوساط العلمية إلا بعد تأليفه للكتاب الذي ستعرض هذه التدوينة بعض المقتطفات منه، وهو عبارة عن سجلات يومية قام بتدوينها أثناء سفره من الأندلس إلى بلاد الشرق الإسلامي لأداء فريضة الحج، وقد بدأت رحلته في الثامن من شوال من العام 578 هـ الموافق للثالث عشر من شهر فبرير (فبراير) من العام 1185 م وبدأ تدوينها في الثلاثين من شوال تحديداً، وهو في عرض البحر.

قام ابن جبير بتسجيل مذكرات رحلته على شكل مدونات يومية، ولم يقم بنشرها بين الناس، إذ لم تنتظم على شكل كتاب إلا على يد واحد من تلاميذه وهو الذي قام بتسميتها بـ (تذكرة الأخبار عن اتفاقات الأسفار) واشتهر فيما بعد بكتاب رحلة ابن جبير. الكتاب متوفر على الانترنت كملف بصيغة PDF لمن يريد تحميله وقراءته (اضغط هنا أوهنا) بعيداً عن اقتباسات كاتب التدوينة وتحيزاته.
ملاحظة: جميع ما داخل الاقتباسات بين (قوسين) هو زيادة عن النص الأصلي بغرض التوضيح.

يقول ابن جبير في مفتتح سجلاته:

"ابتُدئ بتقييدها يوم الجمعة الموفي ثلاثين لشهر شوال سنة ثمان وسبعين وخمس مئة على متن البحر بمثابلة جبل شلير عرفا الله المسلامة بمنه.
وكان انفصال أحمد بن حسان ومحمد بن جبير من غرناطة، حرسها الله، للنية الحجازية المباركة، قرنها الله بالتيسير والتسهيل وتعريف الصنع الجميل، أول ساعة من يوم الخميس الثامن لشوال المذكور وبموافقة اليوم الثالث لشهر فبرير (فبراير) الأعجمي. وكان الاجتياز على جيان لقضاء بعض الأسباب ثم كان الخروج منها أول ساعة من يوم الاثنين التساع عشر لشهر شوال المشكور وبموافقة الرابع عشر لشهر فبرير المذكور أيضا.
وكانت مرحلتنا الأولى منها إلى حصت القبذاق ثم منه إلى حصن قبرة، ثم منه إلى مدينة إستجة ثم منها إلى حصن أشوفة ثم منه إلى سلبر ثم منه إلى حصن أركش ثم منه إلى قرية تُعرف بقرية القسمة من قرى مدينة ابن السليم ثم منها إلى جزيرة طريف، وذلك يوم الاثنين السادس والعشرين من الشهر المؤرخ (شوال 578 هـ)" (1)

يقول ابن جبير أيضا في وصف قرية جدة القريبة من مكة المكرمة في الديار الحجازية:

"وجدة هذه قرية على ساحل البحر المذكور أكثر بيوتها أخصاص، وفيها فنادق مبنية بالحجارة والطين وفي أعلاها بيوت من الأخصاص كالغرف، ولها سطوح يستراح فيها باليل من أذى الحر. وبهذه القرية آثار قديمة تدل على أنها كانت مدينة قديمة، وأثر سورها المحدث بها باق إلى اليوم. وبها موضع فيه قبة مشيدة عتيقة يُذكر أنه كان منزل حواء أم البشر، صلى الله عليها، عند توجهها إلى مكة، فبنى ذلك المبنى عليه تشيرا لبركته وفضلة، والله أعلم بذلك.

وفيها مسجد مبارك منسوب إلى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ومسجد آخر له ساريتان من خشب الآبنوس يُنسب أيضاً إليه، رضي الله عنه، ومنهم من ينسبه إلى هارون الرشيد، رحمة الله عليه.

وأكثر سكان هذه البلدة مع ما يليها من الصحراء والجبال أشرافٌ علويُّون: حسنيون وحسينيون وجعفريون، رضي الله عن سلفهم الكريم. وهم من شظف العيش بحال يتصدع  له الجماد إشفاقاً، ويستخدمون أنفسهم في كل مهنة من المهن، من إكراء جمال إن كانت لهم، أو مبيع لبن أو ماء، إلى غير ذلك من تمر يلتقطونه أو حطب يحتطبونه. وربما تناول ذلك نساؤهم الشريفات بأنفسهن، فسبحان المقدر لما يشاء، ولا شك أنهم أهل بيت ارتضى الله لهم الآخرة ولم يرتضِ لهم الدني. جعلنا الله ممن يدين بحن أهل البين الذي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً" (2)

ويقول أيضاً في معرض وصفه للديار الحجازية:

"وأكثر هذه الجهات الحجازية وسواها فرق وشيع لا دين لهم قد تفرقوا على مذاهب شتى. وهم يعتقدون في الحاج ما لا يُعتقد في أهل الذمة، وقد صيروهم من أعظم غلاتهم التي يستغلونها: ينتهبونهم انتهاباً، ويسببون لاستجلاب ما بأيديهم استجلاباً. فالحاج معهم لا يزال في غرامة ومؤونة إلى أن ييسر الله رجوعه إلى وطنه. ولوا ما تلافى الله به المسلمين في هذه الجهات بصلاح الدين لكانوا من الظلم في أمر لا ينادى وليده ولا يلين شديده. فإنه رفع ضرائب المكوس عن الحاج وجعل عوض ذلك مالا وطعاما يأمر بتوصيلعما إلى "مكثر" أمير مكة، فمتى أبطأت عنهم تلك الوظيفة الترمتبة لهم عاد هذا الأمير إلى ترويع الحاج وإضهار تشقيفهم بسبب المكوس. واتفق لنا من ذلك أن وصلنا جدة، فأمسكنا بها خلال ما خوطب "مكثر"، الأمير المذكور. فورد أمره أن يضمن الحاج بعضهم بعضاً ويدخلوا إلى حرم الله، فإن ورد المال والطعام اللذان برسمه من قِبلِ صلاح الدين(3) وإلا فهو لا يترك ماله قبل الحاج. هذا لفظه، كأن حرم الله ميراثٌ بيده محلل له اكتراؤه من الحاج. فسبحان مغير السنن ومبدلها" (4)

يصل ابن جبير، وبعد عرض مفصل لما مر به أثناء رحلته في الحجاز إلى الاستنتاج التالي:

"وليتحقق المتحقق ويعتقد الصحيح الاعتقاد أنه لا إسلام إلا ببلاد المغرب، لإنهم على جادة واضحة لا بُنيَّات لها (أي طريق بلا فروع). وما سوى ذلك مما بهذه الجهات المشرقية فأهواء وبدع، وفرق ضالة وشيع، إلا من عصم الله عز وجل من أهلها. كما أنه لا عدل ولا حق ولا دين على وجهه إلا عند الموحدين، أعزهم الله، فهم آخر أئمة العدل في الزمان. وكل من سواهم من الملوك في هذا الأوان فعلى غير الطريقة، يعشرون تجار المسلمين (أي يأخذون عشر غلالهم ضريبة) كأنهم أهل ذمة لديهم، ويستجلبون أموالهم بكل حيلة وسبب، ويركبون طرائق من الظلم لم يُسمع بمثلها، اللهم إلا هذا السلطان العادل صلاح الدين (الأيوبي) (5)، الذي قد ذكرنا سيرته ومناقبه، لو كان له أعوان على الحق [نقص في النص] مما أريد الله عز وجل يتلافى المسلمين بجميل نظره ولطف صنعه."(6)

بعد انتهاء ابن جبير من الحج، وذلك بعد حوالي سنة ونصف السنة على خروجه من الأندلس، يتوجه ضمن زيارته إلى المشرق الإسلامي في رحلة إلى بلاد العراق (شهر محرم سنة 580 هـ)، ويزورعدداً من المدن الرافدية والشامية، العتيقة منها والحديثة (بمعيار أهل ذلك العصر) ونورد هنا شيئاً من وصفه لبعض هذه المدن:

الكوفة
"هي مدينة كبيرة (أي الكوفة) عتيقة البناء، قد استولى الخراب على أكثرها، فالغامر منها أكثر من العامر، ومن أسباب خرابها قبيلة خفاجة المجاورة لها، فهي لا تزال تضر بها، وكفاك بتعاقب الأيام محيياً ومفنياً. وبناء هذه المدينة بالآجر خاصة، ولا سور لها. والجامع العتيق آخرها مما يلي شرقي البلد، ولا عمارة تتصل به من جهة الشرق. وهو جامع كبير، في الجانب القبلي منه خمسة أبلطة، وفي سائر الجوانب بلاطان. وهذه البلاطات على أعمدة من السواري الموضوعة من صم الحجارة، المنحوتة قطعة على قطعة، مفرغة بالرصاص، ولا قسي عليها، على الصفة التي ذكرناها في مسجد رسول الله (7)، صلى الله عليه وسلم، وهي في نهاية الطول متصلة بسقف المسجد، فتحار العيون في تفاوت ارتفاعها. فما أرى في الأرض مسجداً أطول أعمدةً منه ولا أعلى سقفاً."

بغداد
"هذه المدينة العتيقة، وإن لم تزل حضرة الخلافة العباسية، مثابة الدعوة الإمامية القرشية الهاشمية، قد ذهب أكثر رسمها، ولم يبقَ منها إلا شهير اسمها. وهي بالإضافة إلى ما كانت عليه قبل إنحاء الحوادث عليها والتفات أعين النوائب إليها كالطلل الدارس والأثر الطامس، أو تمثال الخيال الشاخص، فلا حسن فيها يستوقف البصر ويستدعي من المستوفز (أي المار بها) العقلة والنظر إلى دجلتها االتي هي بين شرقيها وغربيها منها كالمرآة المجلوة بين صفحتين، أو العقد المنتظم بين لبتين، فهي تردها ولا تضمأ، وتتطلع منها في مرآة صقيلة ولا تصدأ والحسن الحريمي بين هوائها ومائها ينشأ. ..... وأما أهلها فلا تكاد تلقى منهم إلا من يتصنع بالتواضع رياء، ويذهب عنه عجبا وكبرياء، يزدرون الغرباء، ويظهرون لمن دونهم الأنفة والإباء ويستضغرون عمن سواهم الأحاديث والأنباء، قد تصور كل منهم في معتقده وخَلَده أن الوجود كله يصغر بالإضافة لبلده، فهم لا يستكرمون في معمور البسيطة مثوى غير مثواهم، كأنهم لا يعتقدون أن لله بلادا أو عباداً سواهم، يسحبون أذايالهم أشراً وبطراً، ولا يغيرون في ذات الله منكراً، يظنون أن أسى الفخار في سحب الإزار، ولا يعملون من أن فضله، بمقتضى الحديث المأثور في النا، يتبايعون بينهم بالذهب قرضاً، وما منهم من يحسن لله فرضاً فلا نفقة فيها إلا من دينار تقرضه، وعلى يدي مخسر للميزان تعرضه، لا تكاد تظفر من خواص أهلها بالورع العفيف، ولا تقع من أهل موازينها ومكاييلها إلا على من ثبت له الويل في سورة التطفيف، لا يُبالون في ذلك بعيب، كأنهم من بقايا مدين قوم النبي شعيب، فالغريب فيهم معدوم الإرفاق متضاعف الانفاق لا يجد من أهلها إلا من يعاملة بنفاق، أو يهش إليه هشاشة انتفاع واسترفاق، كأنهم من التزام هذه الحلة القبيحة على شرط اصطلاح بينهم واتفاق، فسوء معاشرة أبنائها يغلب على طبع هوائها ومائها، ويعلل حسن المسموع من أحاديثها وأنبائها، استغفر الله إلى فقهائهم المحدثين، ووعاظهم المذكرين، لا جرم أن لهم في طريقة الوعظ والتذكير ومداومة التنبيه والتبصير والمثابرة على الإنذار المخوف والتحذير مقامات تستنزل لهم من رحمة الله تعالى ما يحط كثيراً من أوزارهم ويسحب ذيل العفو على سوء آثارهم" 

دمشق
" جنة المشرق ومطلع حسنه المونق المُشرِق، قد تحلت بأزاهير الرياحين، وتجلت في حلل سندسية من البساتين، وحلت من موضوع الحسن بالمكان المكين، وتزينت في منصتها أجل تزيين، وتشرفت بأن آوى الله تعالى المسيح وأمه، صلى الله عليهما، منها إلى ربوة ذات قرار ومعين، ظل ظليل، وماء سلسبيل، تنساب مذانبة انسياب الأراقم بكل سبيل، ورياض يحيى النفوس نسيمها العليل، تتبرج لناظريها بمجتلى صغيل، وتناديهم: هلموا إلى معرَّس للحسن ومقَقِيل، قد سئمت أرضها كثرة الماء حتى اشتاقت إلى الضماء، فتكاد تناديك بها الصم الصلاب: اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب، قد أحدقت البساتين بها إحداث الهالة بالقمر، واكتنفتها اكتناف الكمامة للزهر، وامتدت بشرقيِّها غوطتها الخضراء امتداد البصر، فكل موضع لحظته بجهاتها الأرض نضرته اليانعة قيد النظر، ولله صدق القائلين عنها: إن كانت الجنة في الأرض فدمشق لا شك فيها، وإن كانت في السماء فهي بحيث تسامتها وتحاذيها."

فعل ابن جبير، في كلا النصين السابقين الذين وصف بهما بغداد ودمشق، كل ما بوسعه من أجل وضع كلماته داخل أكبر قدر من التنميق اللغوي، وقد استعصر جل ما لديه من موهبة أدبية من أجل إخراج أبهى وصف ممكن يعبر عما جال في وجدانه وما وقر في قلبه ناحية هاتين المدينتين العظيمتين والتي بدا واضحاً وجلياً أنهما كانتا الأكثر تأثيراً في نفسه خلال رحلته كلها، ومثير للانتباه أنه لم يستدعِ هذا التنميق اللغوي في كتابه كله إلا في وصف هاتين المدينتين بالذات، بل إنه وقتما وصف المدن المصرية، الاسكندرية على عظمتها، والقاهرة على قداستها لما فيها من قبور الأشراف والأولياء والشهداء والصالحين، لم ينمق نصوصه بهذه الطريقة، وحتى عندما ذكر المدن المقدسة بالحجاز، لم يستدعِ كل هذا البديع اللغوي من أجل وصفهما، وإن استخدم هذا البديع فلم يستخدمه بمثل هذه الاستطالة، أما في النصين السابقين فقد صب لعناته على بغداد وأخرج دمشق في أبهى حلة يمكن أن تلبسها مدينة ما. قد يدعو ذلك إلى الاستغراب نوعا ما، إلا أن التمحيص في سجلات الرحلة بمجملها ينقل للقارئ صورة عن الأفكار المسبقة لابن جبير عن الشرق الإسلامي وصوره النمطية التي كونها في الأندلس مسبقاً عنه، وسيستطيع القارئ أن يفهم تحيزاته الخاصة كمغاربي، أندلسي، مالكي المذهب، كان له حظوة في بلاد الدولة الموحدية، يملك صورة سلبية ناحية البادية العربية، ويشعر بالتنافسية السياسية تجاه كل ما يمت للخلافة العباسية بصلة، فهو يكيل المدائح للمنافس الأقوى للخليفة البغدادي في الشرق، وهو صلاح الدين الأيوبي، الكردي الأصل، ويمتهن بالتلميح والإشارة كلّاً من الخليفة وحاشيته وأهل عاصمته، يتحرى ذم المدن العربية، أي المدن التي بناها العرب خارج شبه الجزيرة، وبخاصة بغداد، ويمتدح المدن الأعجمية التي سيطر عليها العرب في زمن الفتوحات، كالاسكندرية ودمشق، ونلحظ أنه غالباً ما تطرق حكراً لوصف الحجر في المدن، ونادراً ما تعرض لوصف البشر، ولم يفعل ذلك إلا في دمشق وبغداد فقط. وجدير بالذكر، أن ابن جبير رغم ما يُلاحظ في نصوصه الوصفية من تمايز في المصداقية وتحيزات وصور نمطية مسبقة، إلا أنه ظل محتفظاً بإجلاله كمسلم لآل النبي محمد وللرعيل الأول من صحابته كذلك.

تعود التدوينة الآن ليوميات ابن جبير وإلى مقتطفات أخرى من وصفه لمدينة دمشق.

"وفي داخل البلدة كنيسة لها عند الروم شأن عظيم، تعرف بكنيسة مريم، ليس بعد بيت المقدس عندهم أفضل منها. وهي حفيلة البناء، تتضمن من التصاوير أمراً عجيباً تبهت الأفكار، وتستوقف الأبصار، ومرآها عجيب، وهي بأيدي الروم، ولا اعتراض عليهم فيها.
وبهذه البلدة 20 مدرسة، وبها مارستانات قديم وحديث ........... وهذه المارستانات مفخر عظيم من مفاخر الإسلام والمدارس كذلك ومن أحسن مدارس الدنيا منظراً مدرسة نور الدين (زنكي)، رحمه الله، وبها قبره، نوره الله. وهي قصر من القصور الأنيفة، ينصب فيها الماء في شاذروان وسط نهر عظيم ثم يمتد الماء في ساقية مستطيلة إلى أن يقع في صهريج كبير وسط الدار. ........... ومناقب هذا الرجل الصالح كثيرة (أي نور الدين زنكي) وشأنه في الملوك كبير، وله الأثر الباقي شرفة من إزالة المكوس بطريق الحجاز، ودفعه عوضا عنها لصاحب الحجاز وكانت الأيام قد استمرت قديما بهذه الضريبة اللعينة إلى أن محا الله رسمها على يدي هذا الملك العادل. (ومن مناقبه) أنه كان عيَّن للمغاربة الغرباء، الملتزمين زاوية المالكية بالمسجد الجامع المبارك (الجامع الأموي بدمشق) أوقافا كثيرة منها طاحونتان وسبعة بساتين وأرض بيضاء وحمَّام ودكانان بالعطارين. وأخبرني أحد المغاربة الذين كانوا ينظرون فيه: أن هذا الوقف المغربي يُغِلّ 500 دينار في العام"

"ومن شاء الفلاح من نشأة مغربنا (أي من سكان المغرب الإسلامي) فليرحل إلى هذه البلاد (دمشق) ويتغرب في طلب العلم فيجد الأمور المُعينات كثيرة. فأولها فراغ البال من أمر المعيشة، وهو أكبر الأعوان وأهمها، فإذا كانت الهمة فقد وجد السبيل  إلى الاجتهاد ولا عذر للمصر إلا من يدين بالعجز والتسويف فذلك من لا يتوجه هذا الخطاب عليه، وإنما المخاطب كل ذي همة يحول طلب المعيش بينه وبين مقصده في وطنه من الطلب العلمي، فهذا المشرق بابه مفتوح لذلك، فادخل أيها المجتهد بسلام وتغنم الفراغ والانفراد قبل علق الأهل والأولاد وتقرع سن الندم على زمن التضييع، والله يوفق ويرشد لا إله سواه، قد نصحت إن ألفيت سامعاً وناديت إن أسمعت مجيباً."

يفصل ابن جبير الآن خارج دمشق، ويحط الرحال في الساحل الشامي، والذي كان واقعاً في تلك الفترة تحت سيطرة الإمارات الصليبية ومملكة القدس والتي تشكلت في بلاد الشام بعد الحملة الصليبية الأولى.

جبل لبنان
"ومن العجب أن النصارى المجاورين لجبل لبنان إذا رأو به بعض المنقطعين من المسلمين جلبوا لهم القوت وأحسنوا إليهم، ويقولون: هؤلاء ممن انقطع إلى الله عز وجل فتجب مشاركتهم. وهذا الجبل من أخصب جبال الدنيا، فيه أنواع الفاكهة، وفيه المياه المطردة والظلال الوارفة، وقلما يخلو من التبتيل والزهادة، وإن كانت معاملة النصارى لضد ملتهم هذه المعاملة فما ظنك بالمسلمين بعضهم مع بعض."

"ومن أعجب ما يحدث به أن نيران الفتنة تشتغل بين الفتئتين مسلمين ونصارى، وربما يلتقي الجمعان ويقع المصاف بينهم ورفاق المسلمين والنصاري تختلف بينهم دون اعتراض عليهم. شاهدونا في هذا الوقت، الذي هو شهر جمادي الأولى، من ذلك خروج صلاح الدين بجميع عسكره المسلمين لمنازلة حصن الكرك، وهو من أعظم حصون النصارى، وهو المعترض في طريق الحجاز والمانع لسبيل المسلمين على البر، وبينه وبين القدس مسيرة يوم أو أشف (أي أكثر) قليلاً، وهو سرارة أرض فلسطين، وله نظر عظيم الاتساع متصل العمار يذكر أنه ينتهي إلى 400 قرية، فنازله هذا السلطان وضيق عليه وطال حصاره. واختلاف القوافل من مصر إلى دمشق على بلاد الإفرنج غير منقطع، واختلاف المسلمين من دمشق إلى عكة (عكا) كذلك. وتجار النصاري أيضا لا يُمنع أحد منهم ولا يُعترض. وللنصارى على المسلمين ضريبة يؤدونها في بلادهم وهي من الأمنة على غاية، وتجار النصارى أيضا يؤدون في بلاد المسلمين على سلعهم، والاتفاق بينهم والاعتدال في جميع الأحوال. وأهل الحرب مشتغلون بحربهم، والناس في عافية والدنيا لمن غلب."

يُلاحظ هنا أن ابن جبير كان يتحدث عن "النصارى" في بلاد الشام بعمومية وإطلاق دون التفرقة بينهم، فبالنسبة له فإن نصارى الشام من عربها وسريانها على قدم المساواة مع الغزاة الافرنج، وربما يعود سبب ذلك إلى ما استرسل ابن جبير في وصفه من مظاهر الحياة الاقتصادية في الشام في عهد الصليبيين، فالتبادل التجاري بينهم وبين المسلمين من بقية أهل الشام ومصر وهم من رعايا صلاح الدين الأيوبي كان في نشيطاً ولا تشوبه شائبة، حتى ولو وقعت الحرب بين الطرفين.

عكا
يعنون ابن جبير هذا الفصل من سجلات رحلته بقوله: "ذكر مدينة عكة، دمرها الله وأعادها"، يقول:
"هي قاعدة مدن الإفرنج بالشام، ومحط الجواري المنشآت في البحر كالأعلام، مرفأ كل سفينة، والمشبهة في عظمها بالقسطنطينية، مجتمع السفن والرفاق، ومتلقى تجار المسلمين والنصارى من جميع الآفاق، سسكها وشوارعها تغض بالزحام، وتضيق فيها مواطئ الأقدام، وتفور خنازيرَ وصلباناً، زفرة قذرة، مملوءة كلها رجسا وعذرة. انتزعها الافرنج من أيدي المسلمين في العشر الأُوَل من المئة السادسة، فبكى لها الإسلام ملء جفونه، وكانت أحد شجونه. فعادت مساجدها كنائس، وصوامعها مضارب للنواقيس، ظهر الله من مسجدها الجامع بقعة بقيت بأيدي المسلمين مسجداً صغيراً، يجتمع فيه الغرباء منهم لإقامة فريضة الصلاة. وعند محرابه قبر النبي صالح، فحرس الله هذه البقعة من رجس الكفرة ببركة هذا القبر المقدس"

صور
"مدينة يُضرب بها المثل في الحصانة، لا تلقي لطالبها بيد طاعة ولا استكانة، قد أعدها الإفرنج مفزعا لحادثة زمانهم، وجعلوها مثابة لأنانهم، وهي أنظف من عكة سككا وشوارع، وأهلها ألين طبائع، وأجرى إلى بر غرباء المسلمين شمائل ومنازع، فخلائقهم أسجح ومنازلهم أوسع وأفسح، وأخوال المسلمين بها أهون وأسكن، وعكا أكبر وأطغى وأكفر." (8)

تنتهي اقتباسات هذه التدوينة إلى هنا، ورغم الاستطالة في الذكر والنقل إلا أن ما ورد بعاليه ليس سوى أقل القليل مما دونه ابن جبير في سجلات رحلته، والذي يقودنا من خلالها إلى رحلة أخرى في الزمان والمكان ليعرفنا بعينيه هو على الصورة العامة في بلدان المشرق الإسلامي الأربعة الرئيسية، مصر والحجاز والعراق والشام، بأحوالها السياسية وأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية. كتاب جميل ومثير ويُعد علامة فارقة في أدب الرحلات الإسلامي بدون شك، وينصح بقراءته.


----------------------


(1) رحلة ابن جبير، طبعة دار صادر، بيروت، ص ص 7 - 8.
(2) المرجع نفسه، ص 53.
(3) المقصود هنا هو صلاح الدين الأيوبي، وقد أكثر ابن جبير من ذكره ومدحه في كتابه هذا.
(4) المرجع نفسه، ص 54.
(5) المرجع نفسه، ص 30.
(6) المرجع نفسه، ص ص 55 - 56.
(7) المرجع نفسه، ص 168.
(8) وصف ابن جبير في كتابه 19 مدينة ومنطقة في بلاد الرافدين وبلاد الشام، وهي مدن: الكوفة، الحلة، بغداد، تكريت، الموصل، نصيبين، دنيصر، رأس العين، حران، منبج، بزاعة، حلب، حماة، حمص، دمشق، جبل لبنان، بانياس، عكة (عكا) وصور، وهي نصوص تختلف في طولها ودرجة تفصيلها، ولا مجال لنقل كل ما كتبه في هذا الشأن،  وللاستزادة حول   المرجع نفسه، ص ص 181 - 286.