الاستعمار البريطاني في الجزيرة (2): بداية العلاقات البريطانية السعودية


(1)

أجمل الجزء الأول من هذا المقال عن الدور الاستعماري لبريطانيا في للإمارات والمشيخات داخل الجزيرة العربية الحديث عن بداية احتكاك المنطقة بالاستعمار الأوروبي الحديث، وبداية تزايد النفوذ التجاري البريطاني والهولندي والتنافس بين الدولتين ومن يمثل مصالح كل منهما في المنطقة وفي جنوب آسيا، وانتهى باستعراض لأهم الأحداث التي سبقت سيطرة السياسة البريطانية على إمارة الكويت وانتزاعها من السيادة العثمانية عبر الاعتراف باستقلالها تحت حكم الشيخ مبارك بن صباح آل الصباح وإعلانها محمية بريطانية، وسيكمل هذا الجزء من المقال الحديث عن إمارة عربية ثانية في الخليج، هي إمارة نجد الصاعدة تحت حكم الشيخ عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، مؤسس سلطنة نجد (الدولة السعودية الثالثة والمملكة العربية السعودية لاحقًا) فيستعرض أهم الأحداث التي رافقت صعودها وبداية الاتصال بينها وبين الحكومة البريطانية كذلك.

(2)

للمرة الثانية على التوالي، ورغم اتساع رقعتها وانتشار دعوتها وحيازتها تأييد العديد من قبائل نجد والأحساء، انهزمت العائلة السعودية في محاولتها الثانية للاستقلال في نجد عن الحكم العثماني، وكما دمر إبراهيم باشا محمد علي عاصمتهم الأولى، الدرعية، في 1818، انهزم السعوديون خارج عاصمتهم الجديدة، الرياض، بعد خسارتهم لحربهم ضد أمير حائل وشيخ جبل شمر محمد ابن الرشيد في 1892، واضطر شيخهم عبد الرحمن بن فيصل آل سعود للتقهقر إلى الصحراء، في مكان ما بين الأحساء والرياض حيث مضارب بعض أنصار عائلته القدامى من قبائل العجمان وآل مرة، يرسل أبناءه إلى حكام وشيوخ القبائل يبحث بينهم عمن يقبل بإيوائه وحمايته، حيث رفض كل من أمير البحرين وأمير الكويت استقباله، ووجد ملتجأه في قطر.

أمضى عبد الرحمن بن فيصل آل سعود عدة أشهر في قطر قبل أن يتلقى اتصالاً من حاكم الكويت محمد بن عبد الله آل الصباح يدعوه فيه للإقامة لديه في الكويت، لقد رفض ابن الصباح بدايةً استقبال ابن سعود بسبب موقف كل منهما من الدولة العثمانية، حيث يناصرها ابن الصباح ويعاديها ابن سعود، ولكن ابن الصباح كان قد تلقى إيعازاً من والي الدولة العثمانية في البصرة باستقبال ابن سعود لديه، وتعهداً بالالتزام بدفع 60 ليرة ذهبية شهريا لتغطية مصاريف عائلته، يرى بعض المؤرخين أن الغرض من ذلك هو وضع نشاطه المستقبلي تحت المراقبة وحتى يظل ابن سعود فزاعة يمكن أن تستخدمها الدولة العثمانية في أي وقت يحاول فيه ابن الرشيد الخروج عن طاعتها والحصول على الحماية البريطانية. على أن الوقت الذي قضاه عبد العزيز، أكبر أبناء عبد الرحمن الأربعة، في الكويت قد أفاده بشكل كبير، بسبب توطد صداقته مع الشيخ مبارك بن عبد الله الصباح من جهة، وبسبب تعرفه على عالم جديد لم يكن يعرف عنه في صحراء نجد شيئاً، فقد تميزت الكويت ومنذ بداية تأسيسها بتنوع إثني وثقافي لا مثيل له في الصحراء، وكان ميناؤها نشطاً ويستقبل وفوداً تجارية وديبلوماسية من كل مكان في غرب وجنوب آسيا، إضافة إلى مندوبي الدول الاستعمارية الأوروبية، وكان احتكاك ابن سعود بهذا العالم سبباً في توسيع مداركه وزيادة حنكته بأمور السياسة، وربما كان ذلك الوقت الذي أدرك فيه أن حلم أبيه وأجداده بدءاً من إمام العائلة الأول محمد بن سعود الذي أسس الدولة السعودية الأولى في 1745، الحلم بسلطنة مستقلة في نجد يمتد نفوذها بحيث تتمكن من توحيد جميع مشيخات الجزيرة تحت سلطتها، لم يكن ليتحقق بدون ظهير قوي يقوم بإسنادها، وهذا الظهير لن يكون الدولة العثمانية بكل تأكيد، يُذكر أن السعوديين الأوائل، أمراء الدولة الأولى (1745 - 1818) رفضوا من قبل أي نوع من التعاون مع بريطانيا وظلوا مصدر رعب لسفنها التجارية خاصة بعد سيطرتهم على الأحساء وحصولهم على منفذ بحري على الطريق التجارية الرئيسية في الخليج، وقد احتفت بريطانيا بحملة إبراهيم محمد علي باشا على عاصمتهم الدرعية والتي دمرها في 1818م، على أن الظروف الآن اختلفت بالنسبة لعبد العزيز، فها هي دولة أجداده تتعرض لخطر الاندثار للمرة الثانية، بسبب رفض أمرائها أول مرة أي اسناد أجنبي، وبسبب عدم قدرتهم على الحصول هذا الاسناد في المرة الثانية، وأصبح يفكر جدياً بالحصول على الدعم البريطاني من أجل إعادة بناء هذه الدولة مرة أخرى، وهو الذي سيتحقق له كما سيتوضح بعد قليل.

(3)

بعد سيطرة مبارك آل الصباح على مقاليد الحكم في الكويت وبعد إظهاره للعداء مع الدولة العثمانية، اشتد العداء بينه وبين آل الرشيد في حائل وجبل شمر، ونجم عن ذلك قيام كل منهما بتوجيه عدة حملات عسكرية على مناطق نفوذ الآخر، وقد حاولت الدولة العثمانية استغلال آل رشيد في حائل ليقوموا بدلا عنها بالقضاء على مبارك حتى لا يستفز تدخلهم المباشر عداء الانجليز، الذين لم يتدخلوا في معارك مبارك ضد آل رشيد لذات الأمر، وقد استغل مبارك ضيفه عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود وجعله قائداً على بعض الفصائل التي شنت هجماتها على مناطق نفوذ إمارة شمر مستفيداً مع العلاقات السابقة بين عائلته وبين قبيلتي العجمان وآل مرة، وفي عام 1900 وضع مبارك خطة مع عبد العزيز للهجوم على إمارة جبل شمر من جبهتين منفصلتين بإيعاز من البريطانيين، فجمع كلاهما تأييد بعض القبائل في نجد والكويت، وجرَّدا حملتين عسكريتين على الرياض بقيادة عبد الرحمن آل سعود وعلى الصريف بقيادة مبارك نفسه، استطاع عبد الرحمن اجتياح الرياض وسيطر على المدينة وبقي الحصن مستعصياً عليه فضرب عليه الحصار، فيما تلاقت قوات مبارك مع القوات الحائلية وانهزمت أمامها شر هزيمة، الأمر الذي شجع ابن رشيد على الهجوم على منطقة الجهراء الساحلية تنفيذاً لرغبة العثمانيين في الحصول على منفذ بحري يساعد في إحكام الحصار على ميناء الكويت بحراً، ولكن قوات ابن رشيد ورغم سحقها وتشتيتها لقوات مبارك إلا أنها فشلت في اتمام سيطرتها على الجهراء بسبب التدخل العسكري البحري البريطاني. وصلت أنباء هزيمة مبارك لعبد الرحمن، ففض حصاره حول حصن الرياض وغادرها عائداً إلى الكويت.

ظل عبد العزيز بن عبد الرحمن فيما بعد عاماً كاملاً يحاول إقناع مبارك باستئناف الحرب ضد ابن رشيد، وهو الأمر الذي رفضه مبارك جملةً وتفصيلاً بسبب تشتت قسم كبير من قواته وخوفه من خسارة تأييد البريطانيين له إذا ما تكررت هزيمته على يد ابن رشيد مرة أخرى، كما أنه ما كان ليغامر بخسارة تأييد وولاء القبائل النجدية التي ساندته في الهجوم الأول، لكنه في النهاية استجاب لرغبة عبد العزيز فسمح له بالخروج لوحده مع خاصته وبني عمومته فقط، وسلحه بثلاثين بندقية ومنحه مبلغ مائتي جنيه استرليني، وخرج عبد العزيز على رأس قوة مكونة من أربعين شخصاً من الكويت(1) ووصل إلى الرياض في يناير 1902 وقتل عجلان عامل ابن رشيد(2) وسيطر على المدينة، ولم تفلح محاولات ابن رشيد في استعادة الرياض فيما بعد بسبب تمسك عبد العزيز بمدينته ومناصرة أهلها لها بكل قوتهم. طلب عبد العزيز من والده عبد الرحمن الحضور إلى الرياض، وقد أعلن الأب البيعة لابنه متنازلاً له عن الإمارة ومكتفياً بموقعه كمستشار سياسي له.

عادت العائلة السعودية إلى الواجهة واستعادت نفوذها في نجد بعد استعادة الرياض، وبدأت تتشكل إرهاصات قيام دولتها الثالثة، وتحالف عبد العزيز مع مبارك على حرب ابن رشيد، إذ طمح ابن سعود في تعزيز موقعه وسلطته في نجد، وفيما ظل مبارك يمثل بريطانيا في صراع النفوذ بينها وبين الدولة العثمانية التي يمثلها ابن رشيد، وقد خاض من 1902 حتى 1921 ضد إمارة جبل شمر وزعيمها بن رشيد عشرة معارك كان ختامها معركة حائل والتي تم بها السقوط النهائي لإمارة جبل شمر وحكم ابن رشيد في الجزيرة العربية.

(4)
 
عزم عبد العزيز على كسب ود بريطانيا وإقناعها بالاعتراف باستقلاله منذ اللحظة التي استلم فيها مقاليد الأمور مرة أخرى في الرياض، وقد أرسل في مايو 1902 (بعد انتصاره في معركة الرياض بأقل من أربعة أشهر) رسالة إلى المقيم السياسي في الخليج يطلب منه إقناع حكومته بتقديم حمايتها له، وعاد وكرر طلبه مع وفد ضم بعض أعيان الأحساء أرسله للوكيل السياسي البريطاني في الشارقة في 1903 يطلب فيه الضوء الأخضر لمهاجمة الأحساء والقطيف التابعتين للدولة العثمانية، وأرسل عدة رسائل في 1904 وطلب من مبارك الصباح أن يتدخل كذلك لمحاولة إقناع بريطانيا بمساعدته وعاد ليحتج أمام بريطانيا ضد الدولة العثمانية بسبب تدخلها العسكري المباشر لصالح ابن رشيد وطلب من بريطانيا أن تتدخل لتعديل ميزان القوى على الأقل، وقد عزز طلبه هذا بعدة رسائل أرسلها للمقيم السياسي في الخليج والقنصل البريطاني في البصرة والسفير البريطاني في اسطنبول يخبرهم فيها بنتائج فوزه الساحق على بن رشيد في معركة روضة مهنا في 1906.

بقيت بريطانيا على تلكؤها رغم إلحاح عبد العزيز الشديد ورغم استعداده المطلق للانضواء تحت جناح بريطانيا وحماية جميع مصالحها في المنطقة، وذلك خوفاً من مواجهة مباشرة مع الدولة العثمانية وما قد ينتجه ذلك من أزمة ديبلوماسية قد تتطور إلى حالة تهدد المصالح التجارية لبريطانيا في الخليج، وقد رد وكلاء حكومة الهند البريطانية ومقيموها السياسيون في الخليج على عبد العزيز دائماً بأن بريطانيا لا تملك مصلحة في تجاوز نفوذها على الساحل والتعمق إلى داخل الصحراء، ولا مصلحة لها في معاداة الدولة العثمانية خاصة وأنها (أي بريطانيا) كانت قد انتزعت منها السيادة على الكويت منذ وقت قصير، إضافة إلى أن بريطانيا لم تكن تثق في عبد العزيز بعد وترى أنه غير قادر لوحده على فرض سيطرته على الصحراء خاصة وأن بن رشيد يحظى بالرعاية العثمانية. 

عينت حكومة الهند البريطانية في 1910 الكابتن وليم شكسبير(3) وكيلاً سياسياً جديداً في الكويت، وقد كان الرجل يتصف بميزات خاصة منها إجادته للعربية ومعرفته بشيوخ القبائل وطبيعته المغامرة، وقد التقى شكسبير بعد العزيز في الكويت في سنة تعيينه، وقام بشد الرحال إلى إمارته في العام الذي يليه واستقبله ابن سعود في الرياض، وجرت بينهم عدة جولات من المحادثات غير الرسمية أفضت إلى اكتساب شكسبير قناعة شبه تامة عن أهمية عبد العزيز بالنسبة لبريطانيا، وعن تأكده من قدرة عبد العزيز من حماية المصالح البريطانية ، وظهر ذلك في الرسائل التي كان يرسلها تباعاً للمقيم السياسي في الخليج وللحكومة البريطانية في الهند. ولكن بدون أن يستطيع تقديم أية وعود حقيقية لعبد العزيز، كما أن ردود فعل حكومته كانت مخيبة للآمال كالعادة، وأبدت إصراراً على عدم تجاوز الحدود التقليدية للنفوذ البريطاني على الساحل.

كان أمل عبد العزيز الوحيد يتمثل في سيطرته على الأحساء والقطيف وما يتبع للمنطقة من موانئ، فهو إن استطاع الوصول إلى منفذ على مياه الخليج سيجبر البريطانيين على التحالف معه بدون شك، فيما ظل الأمر معقداً بالنسبة له، فهو لا يريد مهاجمة الأحساء بدون موافقة ورعاية بريطانية، ويحتاج لمهاجمة الأحساء والسيطرة عليها حتى يحصل على هذه الرعاية، حاول عبد العزيز إقناع مبارك الصباح بضرورة الهجوم على الأحساء في منتصف العقد الأول من القرن العشرين، ولكن مبارك نصحه بالتريث والانتظار للحصول على فرصة مواتية، وخلال السنوات اللاحقة تضافرت الأجواء المناسبة بسيطرة الاتحاديين على الحكم في اسطنبول، وتورطهم في الحرب البلقانية العثمانية وخسارتهم لليبيا لدولة أوروبية ضعيفة نسبياً هي إيطاليا، مما هز صورة القوة العسكرية للعثمانيين في الجزيرة العربية، كما أنه ومع مرور الوقت أصبح عبد العزيز الحاكم الأوحد في وسط الجزيرة بنفوذ يمتد من وادي الدواسر في الجنوب حتى حدود حائل في الشمال ومن حدود الأحساء شرقاً حتى حدود الحجاز في الغرب، واستطاع أخيراً الحصول على موقف بريطاني مؤيد لهجومه على الأحساء بوساطة كويتية، مع وعد بوقوف بريطانيا على الحياد وعدم مهاجمته إذا وصل إلى البحر تحت شرط واحد، وهو ألا يقترب من مصالحها في الخليج. وبالفعل، فقد جهز عبد العزيز قواته وغزا بها الأحساء في مايو 1913 وهزم حاميتها العثمانية.

بعد انتصاره في الأحساء، سارعت الحكومة البريطانية بإرسال المقيم السياسي في الكويت وليم شكسبير إلى الرياض مرة أخرى، والتقى مع عبد العزيز في مدينة القطيف في ديسمبر 1913، أكد شكسبير أهمية صداقته بالنسبة للحكومة البريطانية، وطلب منه أن يوقف تقدمه باتجاه إمارات الساحل العماني، وأبدى لعبد العزيز تفهمه لضرورة منح بريطانيا حمايتها لعبد العزيز واعترافها بإمارته، ويمكن القول أن الكابتن شكسبير استطاع نقل قناعاته هذه لحكومة الهند البريطانية، ولكنها تلقت رداً سلبياً من لندن بخصوص تقرير شكسبير وطلبت من حكومة بومباي الإبقاء على الوضع الحالي وإبقاء النشاط السياسي لحكومة الهند البريطانية محصوراً في الساحل فقط.

في الواقع فإن بريطانيا قد كانت قد خطت بالفعل مع الدولة العثمانية حدود الإمارات الخليجية حسب معاهدة أنجلو-عثمانية تم الاتفاق عليها في 29 يوليو 1913 وقد اعترفت بريطانيا حسب هذه المعاهدة والخرائط الناتجة عنها بسلطة العثمانيين على نجد والأحساء، صحيح أن هذه المعاهدة لم تُطبق ولم يتم المصادقة عليها بسبب تحفظات بريطانية ظلت مستمرة حتى دخول كلا البلدين في الحرب العالمية، ولكنها عبرت عن تجاهل بريطاني سافر لعبد العزيز، رغم إبداءه الاستعداد في كل مناسبة للتعاون مع بريطانيا، ما أجبره على توقيع معاهدة مع طالب النقيب، وهو سياسي عراقي مخضرم مثل السلطات العثمانية، واعترف عبد العزيز في المعاهدة بالسيادة الاسمية للباب العالي على نجد والأحساء ووافق على استقبال حامية عثمانية ورفع علم الدولة على مقر حكومته في الرياض، وتم توقيع المعاهدة في 15 مايو 1914، لكن اندلاع الحرب العالمية الأولى كان كفيلاً بتغيير كل شيء، فرغم أن المعاهدة بين عبد العزيز والسلطات العثمانية قد كانت تضم صراحة بنداً يلزم عبد العزيز بنصرة الدولة العثمانية عسكرياً في حربها مع أي دولة أجنبية، إلا أن عبد العزيز تلكّأ في نصرة إيالة البصرة بالرجال والسلاح عندما طُلب منه ذلك وتركها لتقع تحت سلطة البريطانيين في نوفمبر 1914 دون تدخل منه، وكررت السلطات العثمانية طلبها من عبد العزيز بعد احتلال البريطانيين للبصرة عبر وفد خرج من بغداد سالكاً طريقاً وعراً وطويلاً يمر بحلب والحجاز ثم إلى مدينة الرياض، وكان الوفد برئاسة السياسي العراقي العثماني محمود شكري الألوسي، والذي حاول بمعاونه وفده المرافق تشجيع عبد العزيز على الدخول في الحرب وتنفيذ التزامه حسب المعاهدة المبرمة بينه وبين سلطات الباب العالي، إلا أن عبد العزيز رفض محتجاً بضعف قوته العسكرية وألمح إلى ضرورة إنهاء العثمانيين لحكم بن رشيد قبل أن يقدم خدماته لهم. فضَّل عبد العزيز البقاء على الحياد خلال تلك الظروف ورفض أن يحارب لأجل العثمانيين أو الانجليز، في ذات الوقت الذي بدأ فيه الانجليز أخيراً، وبسبب ظروف الحرب بشكل خاص، بتقدير أهمية عبد العزيز والموقع الاستراتيجي لإمارته، وتزايدت الدعوات داخل أروقة الخارجية البريطانية ووزارة شؤون الهند لعقد اتفاق معه، خاصة وأنه أبدى سلوكاً سلبياً تجاه العثمانيين المتورطين في الحرب، فحاولوا حثه على مساعدة مبارك الصباح وخزعل بن جابر (حاكم المحمرة، الأحواز) على احتلال البصرة وطرد العثمانيين منها، وأرسل له مبارك رسالة يدعوه فيها للقدوم إلى الكويت للتشاور في الأمر مع بعض المسؤولين البريطانيين الذين حضروا خصيصاً إلى الإمارة لمناقشة الدور الذي يمكن أن تلعبه المشيخات الخليجية الموالية لبريطانيا في الحرب (في يناير 1915)، ولكنه رد عليهم بكل تهذيب برفضه ذلك وتفضيله تجنيب رعيته ويلات الحرب. وقد كان الإنجليز فقدوا الأمل في تشكيل قوة متحدة ومنظمة من مشيخات الخليج العربية يمكن أن تقاتل العثمانيين نيابة عنهم، وقاموا بإنزال عدة فيالق مكونة من عناصر إنجليزية وهندية على الأراضي العراقية قاتلت ضد العثمانيين والقبائل العربية في العراق ونجحت في السيطرة على البصرة بعد أقل من شهرين من القتال.

(5)

أرسلت بريطانيا في الثالث عشر من يناير 1915 مقيمها السياسي في الكويت وليم شكسبير إلى الرياض، وقد أجرى عدة جولات من المحادثات مع عبد العزيز محاولاً إقناعه بالثورة ضد الأتراك والمساهمة في النشاط العسكري في الحرب، وظل عبد العزيز، ورغم اعجابه الشديد بشكسبير ومحبته له، مصراً على موقفه الرافض لدخول الحرب بشكل مباشر، متذرعاً بابن رشيد وخطر إمارة جبل شمر على سلطته في نجد، أرسل شكسبير لحكومته في الهند رسالة يؤكد فيها على موقف عبد العزيز المحايد ويؤكد أنه لن يتحرك ضد العثمانيين إلا بعد تثبيت مركزه الفعلي كحاكم مستقل لنجد والأحساء تحت الحماية البريطانية، كان الوضع الميداني بين عبد العزيز وبن رشيد متوتراً وكان كلاهما يحشد قواته لمعركة مرتقبة، وقد اندلعت بالفعل في السابع عشر من يناير 1915 في جراب، وقد أصر شكسبير على المشاركة في المعركة كبادرة حسن نية رغم معارضة عبد العزيز لذلك بشدة، وأصيب خلال المعركة في مقتل وهُزم عبد العزيز في المعركة، تعثرت المفاوضات بعد وفاة شكسبير وعادت لتُستأنف مرة أخرى تحت رعاية المقيم السياسي في الخليج (بيرسي كوكس)(4)، تركزت المحادثات بين كوكس وعبد العزيز على نقطة جوهرية واحدة، وهي المساهمة العسكرية التي يمكن أن يقدمها لبريطانيا ضد العثمانيين خلال الحرب، استطاع عبد العزيز إقناع كوكس بأنه يقدم للإنجليز خدمة بالفعل في حربه ضد بن رشيد الموالي للعثمانيين والذي سينخرط في العمليات العسكرية العثمانية ضد البريطانيين قريباً، وأن ما يفعله ضد بن رشيد أكثر من كافٍ ليعبر عن دعمه للتاج للبريطاني، اقتنع كوكس بكلام عبد العزيز وأتم اتفاقه معه بناء على هذا الأساس ووقع معه معاهدة الحماية البريطانية المعروفة باسم معاهدة (دارين-العقير) في السادس والعشرين من ديسمبر 1915، وقد نصت المعاهدة على توفير بريطانيا للدعم المادي والعسكري لعبد العزيز بعد اعترافها باستقلال إمارته عن الدولة العثمانية  التي تشمل أراضي الأحساء والقطيف ونجد وتوفير الحماية لها، مع تعهد عبد العزيز بعدم التعرض لأي من المشيخات العربية الخاضعة للحماية البريطانية، وعدم التصرف في أي من أراضي إمارته بالبيع أو التأجير أو التنازل لأي قوة أجنبية، وعدم التعامل مع أي دولة أجنبية إلا تحت المظلة البريطانية، وتوفير الحماية في الطرق النجدية الأحسائية للقوات البريطانية وقتما احتاجت ذلك، ودعمت بريطانيا خزينة عبد العزيز بعشرين ألف جنيه استرليني دُفعت له على الفور بجانب معونات عسكرية من أسلحة وذخائر وراتب شهري قدره خمسة آلاف جنيه. وحصل بذلك عبد العزيز على مبتغاه الذي انتظره لأكثر من ثلاثة عشرة عاماً (5).

-------------------------------------------

(1) رغم المبالغة في القول بأن عبد العزيز استطاع فتح الرياض بأربعين مقاتل فقط، إلا أن أغلب المراجع والمصادر التي ذكرت الحادثة اتفقت على هذه التفصيلة بالذات، وقد كان عبد العزيز قد جمع كثيراً من الأنصار خلال خروجه من الكويت والذين ساعدوه على شن غزوات متفرقة على بعض قوافل ابن رشيد ومصالحه التجارية ولكنهم تفرقوا عنه بعد انتهاء الغزو وحصولهم على الأسلاب والغنائم، فلم يغامر أي منهم بمعاداة ابن رشيد والدولة العثمانية ووصل عبد العزيز للرياض ومعه ذات العدد الذي خرج به من الكويت، كما أن تفاصيل في بعض الروايات، والتي تجعل اقتحام حصن عجلان عامل ابن رشيد على الرياض واغتياله أشبه ما تكون بعمليات الكوماندوز، ومعاداة أهل الرياض لعجلان ورئيسه بسبب قسوتهم في التعامل مع العاصمة السعودية وأهلها ومناصرتهم لابن سعود، إضافة إلى حقيقة أن عبد العزيز قد قضى بعض الوقت في العام الماضي محاصراً لقلعة الرياض ومن المرجح أنه كسب لنفسه أثناء تواجده في تلك الفترة القصيرة حلفاء وأنصار من الرياضيين ساعدوه على اقتحام حصن الرياض من الداخل، كل هذه العوامل ساعدت عبد العزيز وسهلت له المهمة الصعبة.

(2) سيستخدم هذا المقال وصف "بن رشيد" كمسمى لرأس عائلة آل رشيد وأمير حائل اختصاراً، مع العلم أن الفترة التي يغطيها المقال (من معركة الرياض في 1902 حتى معاهدة العقير 1915) تعاقب على حكم الإمارة خمسة أمراء وفيما يلي بيان أسمائهم وسنوات حكمهم:

- عبد العزيز بن متعب 1897 - 1906
- متعب بن عبد العزيز بن متعب 1906
- سلطان بن الحمود 1906 - 1907
- سعود بن الحمود 1907 - 1908
- سعود بن عبد العزيز 1908 - 1920

(3) وليم آرفن شكسبير (1878 - 1915): ضابط بريطاني من مواليد إقليم البنجاب، عمل في حكومة الهند البريطانية وتم تكليفه بالإقامة في الكويت كمبعوث لحكومة نائب الملك، ويعتبر أحد أفضل رجال الحكومة الهندية في الخليج بدون منازع، فقد كان يجيد اللغة العربية بطلاقة ويتأقلم سريعاً مع الحياة في الصحراء وقادر على السفر خلالها دارياً وعالماً بمجاهلها وقد قام بعدة رحلات انطلاقاً من الكويت وصلت حتى حدود سيناء وفلسطين والحجاز ويمكن اعتبار أهميته بالنسبة لحكومة الهند البريطانية موازية لأهمية توماس لورانس (لورانس العرب) بالنسبة لمكتب الخارجية البريطانية في القاهرة. كوَّن صداقات كثيرة ساعدته في إتمام مهامه الديبلوماسية وكان مبارك الصباح وعبد العزيز آل سعود يعتبرونه من أعز أصدقائهم وخير من يمثل مصالحهم لدى الحكومة البريطانية. أصر على المشاركة في معركة جراب بجانب ابن سعود ضد قوات بن رشيد في 1915 وقتل خلال المعركة.

 (4) بيرسي ز. كوكس (1864 - 1937): سياسي بريطاني وعسكري مرموق عمل لصالح الحكومة البريطانية في عدد من مستعمراتها (في الهند والصومال) وأدى عديداً من الوظائف الديبلوماسية في الخليج الفارسي، كمقيم سياسي في عُمان وبوشهر وعملاً قنصلا لصالح بريطانيا في البصرة، وأصبح رئيساً للمقيمين السياسيين في الخليج، وعين مندوباً سامياً في العراق بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى.

(5) بحسب شهادة حافظ وهبة، وزير عبد العزيز وممثله في بريطانيا بعد الحرب العالمية، فأن عبد العزيز قد أخبره بعد اتمام معاهدته مع بريطانيا وممثلها بيرسي كوكس: (لقد اعطاني كوكس الشمس في يميني والقمر في يساري).

الاستعمار البريطاني في الجزيرة (1): الدور البريطاني في الخليج والعلاقات مع الكويت

(1)

كان وصول الأسطول البرتغالي بقيادة (ألفونسو دي ألبوكيرك) و(توسانا دي كونها) في بداية القرن السادس عشر إلى أرخبيل سقطرى اليماني عند المفتتح الجنوبي للبحر الأحمر هو البداية الأولى لاحتكاك المجال العربي الشرقي بالاستعمار الأوروبي الحديث، استطاع هذا الأسطول المكون من ستة سفن من السيطرة على سقطرى في 1505م ومن ثم أبحر إلى مدينة مسقط على الساحل العماني، واستطاع احتلالها في 1507م، واستمر بالإبحار حتى وصل إلى جزيرة هرمز وسط الخليج الفارسي حيث احتلها وأسس فيها قلعة حصينة كانت مركزاً لمملكة قوية في الخليج بساحليه الشرقي والغربي، لكنها لم تعمِّر طويلاً بسبب عدم قدرتها على كبح جماح الثورات العربية التي طلبت العون من الوالي العثماني في بغداد وأعلنت ولائها للدولة العثمانية في مقابل مساعدتها في دحر الاحتلال.

كانت الامبراطورية البرتغالية، والتي اكتشفت طريق رأس الرجاء الصالح الملاحي قبل وصول قواتها إلى الخليج بعدة سنوات فقط، كانت قد وضعت خطة من أجل مد خط تجاري بحري يربط بين (لشبونة) و(ناغازاكي)، حيث قام الكشافة البرتغاليون باستطلاع الأماكن المناسبة لبناء قلاع برتغالية تمثل محطات توقف وتزود بالمؤن لصالح السفن التجارية والحربية البرتغالية، ولم تغفل البرتغال بالتأكيد عن الأهمية الاستراتيجية التي يمثلها الخليج الفارسي بساحليه بسبب دوره الهام في التجارة الدولية ولكون موانئه تشكل محطات توقف للشحن والتفريغ لحركة البضائع من جنوب آسيا إلى أوروبا، جنبا إلى جنب مع الموانئ العربية الأخرى على البحر الأحمر، إضافة إلى كون الموقع الجغرافي للخليج يمثل مكاناً مناسباً كقاعدة للانطلاق للسيطرة على مستعمرات جديدة لصالح الامبراطورية في جنوب آسيا وللمساهمة في تأمينها عسكرياً.

اضمحلت القوة البرتغالية في الجزيرة العربية والخليج الفارسي تدريجياً، ونشب صراع شرس بينها وبين الدولة العثمانية على جبهة الخليج الفارسي من جهة، وجبهة البحر الأحمر والقرن الأفريقي من جهة أخرى، كما تعرضت سلطتها المركزية في لشبونة للضعف بسبب خضوعها سياسياً للسيادة الاسبانية (إبان فترة الاتحاد الأيبري) وتعرض هذا الاتحاد ومصالحه الخارجية إلى هجمات منظمة من فرنسا وهولندا وإنجلترا أدت لضعف سيطرته على الأراضي التي يحتلها بما فيها أراضي الجزيرة العربية والتي خضعت فيما بعد للسيطرة العثمانية، حيث أعلن الباب العالي عن تشكيل إيالة (ولاية) في الأحساء عام 1560م شملت عدة مناطق في نجد والساحل العربي للخليج، تم حلها فيهما بعد وضمها إلى إيالة بغداد، ومن ثم فصلت عن بغداد مع جنوب العراق لتُشكَّل إيالة البصرة.

وفي بدايات القرن السابع عشر، كانت القوة التجارية الانجليزية الرئيسية في جنوب آسيا، ممثلة بشركة الهند الشرقية البريطانية قد نمت بشكل متزايد ومتسارع، إذ أصبح للشركة موطئ قدم في فارس واستطاعت الحصول على امتياز نصف عائدات ميناء بندر عباس على الخليج الفارسي سنة 1617م، وذلك في مقابل حماية فارس من الهجمات البرتغالية، ونما التنافس بين الشركة وسميَّتها الهولندية (شركة الهند الشرقية الهولندية) بعد عقود من التعاون من أجل تحجيم البرتغاليين والإسبان في جنوب آسيا، وقد شكل وصول الشركة البريطانية إلى بندر عباس أول تواجد بريطاني فعلي (وإن كان تواجدًا غير رسمي) في الخليج. 

بعد عدة سنوات، وفي 1635م تحديداً، قامت الشركة بإرسال أول سفينة تجارية لها إلى ميناء البصرة، وعملت منذ ذلك الوقت على تأسيس مركز دائم لها في المدينة، وقامت بافتتاحه في 1643م. بعد عدة عقود وفي 1670م، حصلت الشركة على امتياز من الملك تشارلز الثاني يتيح لها التصرف كدولة كاملة السيادة على مناطق تجارتها، فأصبحت تمتلك بشكل رسمي حق تشكيل أساطيل عسكرية، وإقامة حصون وقلاع وخوض حروب أو عقد معاهدات سلام مع أي دول (أوروبية أو غير أوروبية) دون الرجوع للملك ودون الحصول على موافقته.

استمرت الشركة في إدارة التجارة الخارجية البريطانية في جنوب آسيا نيابة عن التاج البريطاني حتى العام 1857، حيث قامت القوات الهندية التابعة للشركة بشن ثورة ضدها وضد نفوذها في شبه القارة الهندية، وعلى إثر تلك الثورة تدخلت الحكومة البريطانية وسيطرت على الأمور وقامت بحل الشركة وتسلمت حكومة الهند البريطانية مكاتب الشركة الرئيسية في الهند.

(2)

مع بداية القرن التاسع عشر كانت قد اتضحت صورة الجزيرة العربية كمنطقة منقسمة بين قوتين دوليتين تضع كل واحدة منهما يدها على جزء من المنطقة، كانت الحجاز - من الناحية الرسمية والفعلية - إيالة تابعة للباب العالي منذ اللحظة الأولى لسقوط الدولة المملوكية في مصر بعد معركة الريدانية في يناير 1517م، وقد ظلت الحجاز تحظى بمكانة خاصة لدى الباب العالي بسبب مكانتها الدينية والاقتصادية بسبب عائدات موسم الحج وكانت الأراضي التي تلي الحجاز جنوباً (عسير واليمن) تتبع تلقائيا لسلطة الباب العالي على الرغم من أنها خاض حروبًا شرسة من أجل إخضاعها وإخماد ثوراتها المستمرة في القرن التاسع عشر، إضافة إلى حصول الدولة العثمانية على موطأ قدم مهم في نجد تمثل في ولاء أمراء حائل من آل الرشيد، والذين كانوا عوناً دائماً للدولة العثمانية في معاركها ضد الدولة السعودية الثانية، وسبباً رئيسياً في إنهائها. 

كان الباب العالي قد خسر إيالة الأحساء عام 1670م واضطر لتفكيكها، فيما قامت بريطانيا بتوفير رعاية وغطاء سياسي للمشيخات والإمارات التي عادت لتحتل مكان النفوذ العثماني المتراجع. بالطبع فقد عادت بعض هذه المناطق للسيطرة العثمانية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، بعد حملة مدحت باشا، الوالي العثماني في بغداد والتي تمت بمساعدة شيخ الكويت في ذلك الوقت عبد الله آل الصباح، وقد ألحقت الدولة العثمانية المناطق التي سيطرت عليها، في الأحساء والقطيف بإيالة بغداد، ثم فصلتها وألحقتها بولايتها المعاد تشكيلها في البصرة، كما منحت رأس العائلة الحاكمة في كل من قطر والكويت منصب قائمقام.

أما على الجانب البريطاني، فقد أبقت حكومة الهند البريطانية، مندوباً دائماً يمثلها في المنطقة، ويتعهد برعاية تجار بلاده ويسهل لهم أمورهم، كما يقوم بمراقبة حثيثة للوضع السياسي في المنطقة ويعقد الاتفاقيات باسم بريطانيا مع الأمراء والشيوخ لمنعهم من مهاجمة السفن التجارية وتأمين أعمالها في موانئهم، كما كان يتكفل بصرف جُعلٍ شهري لبعض الأمراء أو شيوخ القبائل لضمان ولائهم للحكومة البريطانية، ولضمان بقاء منطقة نفوذه بعيدة عن يد الباب العالي الذي كان يحاول استمالة شيوخ وأمراء القبائل بذات الطريقة أحياناً. هذه الصلاحيات للمندوب البريطاني في الخليج أعطته مع مرور الوقت نفوذاً سياسياً قوياً على الإمارات والمشيخات التي يمثل بريطانيا لديها، بحيث أصحبت كلمته ومشورته هي الرأي الفصل في كل حدث سياسي هام يجري في المنطقة، وتُفرض رغبته، باعتباره رغبة الحكومة البريطانية، على كل الفرقاء، بما يتناسب أولاً وأخيراً مع المصلحة البريطانية تجارياً واقتصادياً أو سياسياً. بالتأكيد، فقدت بريطانيا شيئاً من اهتمامها بمنطقة الخليج الفارسي تجارياً بسبب افتتاح قناة السويس لعدة عقود، ولكن مع تصاعد التوتر السياسي في بداية القرن العشرين عادت المنطقة إلى واجهة الأحداث كمسرح للتنافس الإنجلو-عثماني وبلغت الأحداث ذروتها مع بداية الحرب العالمية 1914.

من الأمثلة على التدخل البريطاني في شؤون الإمارات العربية في الخليج علاقتها القوية مع إمارة أبو ظبي تحت زعامة الشيخ خليفة بن شخبوط خلال القرن التاسع عشر، تدخلت بريطانيا في إمارة أبو ظبي وفرضت على أميرها خليفة بن شخبوط معاهدة هدنة أوقف بموجبها قرصنة السفن التابعة لإمارته وأعمالها العدائية ضد سفن بريطانيا وأسطولها التجاري في الخليج، أوكل خليفة وابنه زايد من بعده جل أمر إمارتهما وشؤونها السياسية لوكلاء بريطانيا في المنطقة، ولم يقدرا يوماً على قطع أمر إلا بعد استشارتهم وأخذ موافقتهم حتى عندما تعلق الأمر أحياناً بشؤون إمارته الداخلية، فعندما هاجرت عشيرة (بو فلاسة) من أبو ظبي إلى دبي وقاموا بتأسيس إمارة جديدة هناك في 1833، دعمت بريطانيا هذا الانفصال ووفرت الحماية لهم من خليفة وأمرته بعدم التعرض لهم، وكادت أن تكرر الأمر مرة أخرى عندما هاجرت عشيرة القبيسات من أبو ظبي إلى مدينة العديد ثلاث مرات متتالية، في 1835 و 1849 و 1869، ولكنها فشلت بسبب ضعف القبيسات وصغر تعداد قبيلتها وعدم قدرتهم على حماية أنفسهم، فكانت تسمح لأمير أبو ظبي، بعد التأكد من عدم قدرت القبيسات على إنجاح مشروعهم الانفصالي، على إعادة العشيرة مرة أخرى إلى أبو ظبي وإدخالهم في طاعته مجدداً، ويكفي أن نذكر أن زايد بن خليفة قد استغرق أكثر من ثلاثة سنوات (1869 - 1872) حتى تمكن من إقناع المقيم البريطاني في الخليج بالتدخل وإعادة عشيرة القبيسات لأبو ظبي مرة أخرى بعد هجرتهم الثالثة، ولم يتحرك مطلقاً خلال هذه السنوات الثلاثة بأي تحرك عدائي ضدهم منتظراً الضوء الأخضر البريطاني، ولم تسمح له بريطانيا باتخاذ أي خطوة إلا عندما تأكد لها أن القبيسات قد بدأوا بالفعل اتصالهم بالدولة العثمانية وأنهم أعلنوا ولائهم لها.

سينتقل المقال الآن لنقاش العلاقات بين بريطانيا وإمارة الكويت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وسيكمل الجزء التالي منها عرض بداية تأسيس العلاقة بين بريطانيا وآل سعود في نجد، فيما سيُترك الجزءان الثالث والرابع منها لاستعراض التدخل البريطاني في العلاقات الكويتية السعودية خلال النصف الأول من القرن العشرين وتأثير بريطانيا على كلا الدولتين.

(3)

بدأت أسرة الصباح المتفرعة من قبيلة (عنزة) العربية النجدية حكمها للكويت عام 1752، وكان حاكمها الأول صباح الأول بن جابر الصباح قد تعيينه حاكما على المنطقة بالتوافق بينه وبين العشائر الأخرى، وقد اعترفت الدولة العثمانية وواليها بالبصرة بصباح كحاكم للكويت ومنحته منصب قائمقام. من المهم معرفة أن الكويت لم تخضع في عهد آل الصباح للحكم المباشر للدولة العثمانية، رغم أنها احتفظت بعلاقات طيبة مع العثمانيين وقامت بمد يد المساعدة لإيالتي بغداد والبصرة (في عهدها الأول والثاني) عسكرياً وسياسياً، وكان رهان الصباحيين دوماً على العثمانيين كقوة دولية توفر لهم الغطاء السياسي لعلاقاتهم التجارية والحماية وقت الحاجة والشرعية للحكم بصفتهم ممثلين للخلافة الإسلامية، وعلى سبيل المثال، فقد شارك عبد الله الثاني بن صباح الصباح (الحاكم الخامس للكويت، توفي في 1892) في حملة والي بغداد مدحت باشا على القطيف والأحساء سنة 1871 بتوفير الأسطول اللازم لنقل المؤن والذخائر بصفته قائمقام عثماني، رغم كونه أول حاكم كويتي على الإطلاق يخالف التقاليد العثمانية ويصك عملة محلية عليها اسم الكويت.

انتقل الحكم بوفاة عبد الله الثاني المذكور بعاليه إلى أخيه محمد بن صباح الصباح والذي أشرك معه أخاه جرَّاح في الحكم استرضاءً له ومنعاً للفتنة، وبقي كلاهما على عهد الأسرة أوفياء للدولة العثمانية رافعين علمها على إمارتهم ومقر حكمهم، وقد رفض كلاهما، بناء على نصيحة مستشارهما السياسي يوسف الإبراهيم، تدخلات المقيم السياسي البريطاني في الخليج في شؤون إمارتهم الداخلية، رغم ترحيبهم بالتجارة مع بريطانيا وحكومتها في الهند، فوجهت بريطانيا نظرها ناحية أخيهم غير الشقيق مبارك والذي كان ناقماً على أخويه لعدم إشراكهم له في الحكم، فقامت بدعوته إلى بومباي وأغدقت عليه بالهدايا ووعدت بحمايته في حالة تولى الحكم في الإمارة، عاد مبارك إلى الكويت ولم يلبث سوى قليل من الوقت قبل أن يغدر بأخويه محمد وجراح ويغتالهما في السابع عشر من مايو 1896 ليقفز بسهولة على كرسي الحكم.

التجأ أبناء محمد وجراح إلى البصرة، وهرب المستشار السياسي للأمير السابق، يوسف الإبراهيم، إلى قائمقامية قطر التي كانت خاضعة للسيادة العثمانية، وأخذ يتنقل بينها وبين الأحساء وحائل والبصرة محرضاً على مبارك ومتهماً إياه بالولاء للبريطانيين، وبأن تدخلاً عسكرياً ضد الكويت بات في حكم الحتمي لتلافي خسارتها لصالح أعداء الباب العالي، يبدو أن الباب العالي وواليه في البصرة قد فضَّلا التريث ليقينهما أن بريطانيا لن تقدم على تدخل سافر في الكويت بهذه الصورة، وقد كان الباب العالي على حق جزئياً في ظنه، حيث أن بريطانيا كادت تنكث بوعدها لمبارك ورفضت بالبداية توقيع اتفاقية حماية تعترف فيها باستقلال الكويت كإمارة تحت الحماية البريطانية، وذلك رغم صراحة مبارك في تعبيره عن نفوره من العثمانيين عندما رفض استقبال حامية عسكرية عثمانية أو حتى مقيم دائم من الدولة إضافة إلى إنزاله للعلم العثماني واستبداله بعلم خاص بالكويت.

لقد رأت بريطانيا أن أي تدخل سافر في شؤون الكويت سيؤذي علاقتها الديبلوماسية بالباب العالي وهو ما حاولت دوماً أن تتحاشاه بسبب علاقاتها التجارية المتشعبة مع مختلف إيالاتها، لكن المقيم السياسي البريطاني في مدينة بوشهر أصر على حكومته في بومباي أن تعجل بتوقيع الاتفاقية مع مبارك بسبب تزايد الضغوط العثمانية عليه وازدياد التحديات التي يواجهها من الأمراء والشيوخ المحليين الموالين للباب العالي والتي ستعني بدون شك خسارة بريطانيا لميناء الكويت وأسواقها وطرقها التجارية، وأما عن خشية الحكومة البريطانية من توتر العلاقات مع الدولة العثمانية فكان الحل أن يتم التكتم على المعاهدة مبدئياً ولا يتم الإعلان عنها إلا وقت الحاجة، أي عندما يتعرض حكم مبارك في الكويت لتهديد وجودي، وبالفعل، وقعت حكومة الهند البريطانية مع الشيخ مبارك الصباح معاهدة في الثالث والعشرين من يناير 1899 أصبحت بموجبها الكويت محمية بريطانية، وقد نصت أهم بنودها على أن تبقى المعاهدة سرية، وألا تستقبل الكويت مبعوثاً لأي دولة أجنبية بدون موافقة بريطانية، وأن لا يقوم الأمير مبارك ولا أولاده من بعده بالتصرف في أي جزء من أراضِ الكويت ومناطق نفوذها بالبيع أو التأجير أو التنازل بدون علم بريطانيا وموافقتها، وتعهدت بريطانيا بحماية حكمه في الكويت وحماية أملاكه وأملاك عائلته في البصرة والتزمت بدفع مبلغ 15 ألف روبية شهرياً لخزينة الكويت.

لقد طمحت الدولة العثمانية في جعل الكويت آخر محطات مشروع سكة حديد برلين-بغداد الذي ربط ألمانيا بأقاليم الدولة العثمانية، ولذا فقد اكتسبت الكويت بالنسبة للباب العالي أهمية مضاعفة وصممت على استعادة الإمارة لسلطتها بأي طريقة كانت، وبناء عليه فقد بدأ العثمانيون عدة جولات من المحادثات الديبلوماسية بواسطة مندوبين من إيالة البصرة مع مبارك الصباح لإقناعه بالتراجع عن إجراءاته العدائية بحق الدولة العثمانية ورفضه للخضوع لسلطتها، فشلت الديبلوماسية في إقناع مبارك الذي اعتمد على حماية بريطانيا له واعترافها باستقلاله عن العثمانيين ضامناً بذلك تدخلهم في أي وقت يجبر فيه على المواجهة مع العثمانيين، أرسلت اسطنبول لمبارك مندوبين من البصرة بأوامر بترك مكانه في البصرة والتوجه إلى اسطنبول حيث سينتظره مقعد كممثل عن الكويت في مجلس المبعوثان، رحب مبارك بمندوبي اسطنبول ورفض أوامرهم وأخبرهم بأنهم مرحب بهم في الكويت في أي وقت طالما حضروا بدون أي قوة عسكرية. لم تلبث أخبار المعاهدة السرية بين الكويت وبريطانيا أن تسربت ووصلت إشاعات بخصوصها إلى الباب العالي، وعليه فقد  قررت الدولة العثمانية إجبار مبارك على التنحي عنوة وأرسلت له سفينة عسكرية انطلقت من ميناء البصرة مع أوامر بتنحيته وإلقاء القبض عليه، وذلك في الفاتح من ديسمبر 1901، ولكن البحرية البريطانية كانت لها بالمرصاد ومنعتها من الرسو في ميناء الكويت وأجبرتها على التراجع، وبعد أقل من عام، في نوفمبر 1902، أعلنت بريطانيا عن معاهدة الحماية التي أبرمتها مع مبارك وقام اللورد (جورج كورزون) نائب التاج البريطاني في الهند بالحضور إلى الكويت في زيارة تاريخية قضت نهائياً على أي أمل للعثمانيين باسترداد السيطرة على الكويت مرة أخرى.



ملك ما بين البحرين .. ظاهر العمر الزيداني - الجزء الثاني

لوحة تجسد ظاهر العمر في سرايا عكا كما تخيله الرسام الفلسطيني زياد الظاهر


استعرض الجزء الأول من هذا المقال بداية سيرة حياة ظاهر العمر الزيداني كحاكم فعلي لقرى ومدن الجليل وشمال فلسطين، في المنطقة الممتدة بين بحيرة طبريا ومدينة عكا، وكيف استطاع ظاهر الحصول على مكانه الأول كموظف رسمي للدولة رغم صغر سنه وكونه أصغر إخوته بعد وفاة أبيه عمر الصالح الزيداني الملتزم السابق لطبريا وعرابة والدامون. يستكمل هذا الجزء من المقال سرد الأحداث التي مرت بظاهر في الفترة الثانية لحكمه ابتداء من نقل عاصمته من طبريا إلى عكا وتوسعه إلى حيفا إضافة إلى عودة الصراع بينه وبين ولاة الدولة العثمانية في دمشق بعد فترة قصيرة نسبياً من الهدوء.

كان من ضمن أهم التنظيمات الجديدة التي استدخلها ظاهر العمر لإمارته الصغيرة تكوينه لجيش نظامي بلغت عدته حوالي 3000 جندي ما بين فرسان ومشاة، أغلبهم من الجنود المرتزقة من المغاربة إضافة إلى عدد من شباب الفلاحين، وضع عليهم ظاهر العمر ذراعه الأيمن المغربي أحمد آغا الدنكزلي(1) قائداً وراعياً لشؤونهم. وقد سلَّح ظاهر فرسانه ومشاته ببنادق حديثة من نوع مسكيت فرنسية الصنع إضافة إلى السيوف والخناجر، حصل عليها بتبادل تجاري مع قناصل فرنسا في صيدا مع بداية الفترة الثانية لحكمه، إضافة إلى مراكمته لعدد كبير من المدافع وصل إلى أكثر من مئة مدفع، وهو عدد كبير مقارنة حتى بعتاد جيوش الدولة العثمانية في الولايات الشامية من المدافع والذي لم يكن يصل في أفضل أحواله لعُشر هذا العدد. كانت قوات ظاهر المنظَّمة سبباً في تفوقه في كل حملاته العسكرية التي شنها ضد أعدائه(2) وقد خصص لها ميزانية سنوية وصلت إلى مئة ألف قرش عثماني كانت تُدفع سنوياً إلى قائدها أحمد الدنكزلي. إضافة إلى جيشه، عمل ظاهر على إيجاد موطأ قدم له لدى الباب العالي، فهو لم يكن يملك صفة تخوله في بداية حكمه أن يراسل الباب العالي متجاوزاً سلطة والي صيدا الذي كان الممثل المباشر للدولة بالنسبة له، فعلى سبيل المثال، عندما أراد ظاهر أن يتدخل الباب العالي لإيقاف هجمات سليمان باشا العظم عليه (راجع الجزء الأول) في طبريا، توجه إلى القنصل الفرنسي في صيدا طالباً منه المساعدة في ذلك عن طريق السفير الفرنسي في اسطنبول، وقد كان يظن أن تجارته مع الفرنسيين كانت كافية لأن يُقدِّم له القنصل هذه الخدمة، وقد رفض قنصل فرنسا في صيدا تنفيذ طلب ظاهر وعلل له ببساطة أن فرنسا تستفيد من علاقاتها مع سليمان باشا أكثر بكثير من أي استفادة تجارية بينها وبينه، ولذا فقد عمل ظاهر على تجنيد وكيل خاص به من موظفي الباب العالي ليكون صوته وعوناً له عند السلطان العثماني. وبالفعل، فقد استطاع توظيف يعقوب آغا أحد موظفي القصر السلطاني، والذي كان على علاقة مباشرة بالكازلار آغا (مشرف الحرملك) وسليمان آغا السلحدار (حامل سيف السلطان) وقد لعب يعقوب آغا دوراً مهما في تغيير موقف الباب العالي لمصلحة ظاهر في عدة مناسبات وظل مخلصا له حتى وفاته في سبعينات القرن الثامن عشر.

أصبحت عكا تحت حكم ظاهر، وعزم على تحويلها من قرية صغيرة إلى مدينة كبيرة تصلح لأن تكون عاصمةً لدولةٍ قوية ووجهة اقتصادية لها. فبدأ ظاهر إصلاحته العمرانية داخل المدينة ببناء الأسوار لتحيط بها من جهاتها الثلاث إضافة إلى القلاع المزودة بالمدافع الحديثة وسرايا (قصر) في الزاوية الشمالية الغربية محمية بخندق وعدد من الأبراج المزودة بالمدافع أيضًا مع سوق كبير (ضم أكثر من 100 دكان) وخان قرب الميناء لاستقبال المسافرين عبر البحر كما قام بتشجيع هجرة سكان إمارته إلى عكا والإقامة فيها وممارسة النشاط التجاري، وارتفع عدد سكانها من حوالي 500 نسمة لما يزيد عن 25 ألف خلال عدة سنوات. وما أن حل العام 1750م حتى أصبح لعكا وجه آخر تحت حكمه، وتحولت إلى مركز جذب تجاري رئيسي لإمارته ومركزاً تجارياً رئيسيا لبلاد الشام إجمالاً، ووصف البعض عكا في ذلك الوقت بكونها ثالث أكبر مدينة في بلاد الشام بعد دمشق وحلب، ووصفوا مينائها بكونه أكبر/أنشط ميناء على الساحل السوري بلا منازع. ولم تكن سوى مسألة وقت فقط أن يوجه ظاهر أنظاره تجاه حيفا لأسباب استراتيجية واقتصادية، فحيفا يمكن أن تكون نقطة انطلاق لأي هجوم ضد عاصمة ظاهر الجديدة ويلزمه تأمين الطريق الواصل بين المدينتين، كما أنها تملك ساحلًا مستويًا يصلح لإنشاء ميناء تجاري يضاهي ميناء عكا.

كانت حيفا (ناحية حيفا) وحتى الربع الأول من القرن الثامن عشر جزءاً من سنجق اللجون (جنين) التابع لإيالة دمشق وكانت المدينة تقع - تقريباً - على الحدود الفاصلة بين سنجق اللجون وسنجق عكا، وقد كان نشاطها التجاري ضعيفاً جداً بسبب صغر مينائها ونشاط ميناء مدينة عكا المجاورة، فضلًا عن كونها كانت هدفاً مستمراً لهجمات قراصنة جزيرة مالطا(3) وتتعرض للنهب على أيديهم بانتظام - حتى أنها سميت بمالطا الصغرى، وبناء عليه، فضَّل الباب العالي فصل حيفا عن اللجون عام 1723م وإلحاقها بسنجق عكا وتشجيع سكان قرى عكا على الإقامة بها مع بناء حصن مزود ببرجين للمراقبة حول مينائها وتزويدهما بالمدافع فيها لتوفير حماية أكبر لها وزيادة نشاطها التجاري، وقد تزامن ذلك مع هدنة عقدها الباب العالي مع مالطا بعد وساطات وضغوط من فرنسا التي كانت ترى في حماية المصالح التجارية العثمانية في البحر المتوسط حمايةً لمصالحها كذلك، ولم تتوقف - على إثر هذه الهدنة - هجمات المالطيين تماماً ولكنها قلت بشكل ملحوظ، كما أن التسليح الذي زود به الباب العالي ميناء حيفا ساعد كذلك في زيادة الاستقرار في الناحية.

لا يذكر مؤرخو ظاهر تفاصيلًا عن استيلاءه على حيفا سوى أنه قد "أخذها" بعدما سيطر على عكا وأخذ معها قريتي الطيرة والطنطورة (التي كانت تضم قلعة حصينة، وكانت كلتا القريتين إضافة إلى القلعة ضمن حدود سنجق اللجون)، ويرى الباحث خالد صافي أن ظاهر لم يكن ليقدر على السيطرة على حيفا إلا بعد انتهائه من بناء أسوار عكا، أي خلال عامي 1752 - 1753م على أقصى تقدير. وقد استطاع ظاهر بواسطة وكيله في اسطنبول إقناع الباب العالي بأن يزود حيفا بالمزيد من التحصينات والتجهيزات العسكرية على نفقة السلطان نفسه، وقد وافق السلطان على اقتراح ظاهر، وبحلول العام 1760 كان ظاهر قد أنجز كل التحصينات المتفق عليها، ولكن ليس إلى وقت طويل. جدير بالذكر أن حيفا كانت ثاني مركز تجاري يسلبه ظاهر من مشايخ نابلس وجنين، كما أنه - ولغرض تأمين حيفا عسكرياً - كان قد سيطر أيضاً على قرية الطنطورة وقلعتها الحصينة وكانتا تتبعان ضمناً وفعلاً لمشايخ آل جرار حتى بعد نقل ناحية حيفا إدارياً إلى إيالة صيدا، آلمت هذه الخطوة مشايخ نابلس وجنين، خصوصاً وأن حيفا قد بدأت تنتعش اقتصادياً خلال العقدين السابقين على خلاف عهدها السابق، ولكن لم يتجرأ أحد على محاولة استعادة حيفا من ظاهر عسكرياً وانتظروا كالعادة أوامرهم من الوالي في دمشق، والذي كان - كما سيرد بعد قليل - على علاقة طيبة بظاهر العمر ومشغولاً بشؤون أخرى أكثر أهمية في إيالته.

نجح ظاهر كذلك في تحييد خطر قراصنة مالطا بشكل فعال، وقد أثناهم بحنكته السياسية عن الهجوم على موانئه، ففي أبريل من العام 1752م أرسل ظاهر رسولاً لحاكم مالطا محملاً بهدايا ورسالة يؤكد له فيها على صداقته له وأن لا داعي لحدوث أي خلاف بينهما، وعاد ليؤكد ذلك برسالة أخرى في شهر يوليو من نفس العام، وقد طبَّق ظاهر تأكيده هذا عملياً بالسماح لقراصنة مالطا بالرسو بسفنهم الثلاثين في ميناء عكا ومنحهم مكاناً في خانها الجديد لبيع أسلابهم التي كانوا يحصلون عليها من هجومهم على الموانئ العثمانية الأخرى على الساحل السوري كصيدا وطرابلس وبيروت، وسفن العثمانيين بالبحر. ورغم محاولة ظاهر الحفاظ على سرية نشاط القراصنة المالطيين في عكا إلى أن أخبارهم وصلت تباعاً لوالي صيدا وللباب العالي، والذي أصدر له أمراً بإخراجهم من عكا على الفور، تظاهر ظاهر بعدم معرفته بتواجد القراصنة المالطيين في مدينته، ووعد الباب العالي بملاحقتهم، وقد قام فعلاً بتجهيز عدد من السفن الحربية وأرسلها في البحر في ملاحقة وهمية للسفن المالطية.

كان آخر من ذكر من ولاة دمشق الذين عاصرهم ظاهر العمر في المقال السابق هو أسعد باشا العظم والذي تولى منصب الوالي في إيالة دمشق بعد وفاة عمه سليمان باشا العظم في 1743م، كان أسعد باشا مهتماً بشكل خاص بالشؤون الداخلية لإيالته، ولم يكن يعنيه ظاهر ولا قوته المتنامية في صيدا بشيء، فلم يكن مشكلته، بل إن ظاهر حرص على تنمية علاقته بأسعد باشا وكسب وده وصداقته وهو الأمر الذي منحه إياه أسعد باشا عن طيب خاطر، ونشأت بينهم علاقة مميزة طيلة فترة تولي أسعد باشا لولاية دمشق والتي استمرت لإثني عشر عاماً(4)، ابتدأها ظاهر بإرسال مواد تموينية لإيالة دمشق تعبيراً منه عن وده وولائه، كما ساعد ظاهر العمر أسعد باشا في القضاء على فلول ثوار اليرلية(5) الذين تمردوا ضده في 1745م، ومن ثم لجأوا إلى طبريا واحتموا فيها، فقام ظاهر بإلقاء القبض عليهم وقطع رؤوسهم وإرسالها إلى والي صيدا وإنباء أسعد باشا بما فعل، وقد رد أسعد باشا له الجميل عندما عقد راية الصلح بين ظاهر العمر وابنه عثمان الذي تمرد عليه سنة 1752م وفشل في تمرده والتجأ إلى أسعد باشا طلباً للحماية.

انتهت سنوات الوفاق بين ظاهر ودمشق بعد عزل أسعد باشا العظم، وما لبثت الدولة أن عينت على رأس إيالتها الأكبر في الشام الوالي الغزي حسين باشا الملقب بالمكِّي في فبراير 1757م، والذي تلقى - منذ الأسابيع الأولى لتوليه منصبه - تحريضاً من شيوخ نابلس على ظاهر العمر يشجعه على استعادة حيفا والطنطورة، لم يخيب لهم حسين باشا رجاءً وأرسل من فوره رسالة لظاهر العمر يأمره بإعادة أراضي إيالة دمشق التي استولى عليها وإلا فإنه سيهاجمه سيعود مباشرة إليه بعد عودته من إمارة قافلة الحج وسيعيدها بنفسه. أخطأ حسين باشا المكي في تقدير قوة ظاهر وحنكته السياسية، وأهمل حقيقة أنه تعرض من قبل لهجوم والٍ دمشقي أقوى منه عدة وعتاداً (سليمان العظم) ثلاثة مرات ولم ينجح في القضاء عليه، اتصل ظاهر بحلفائه من بعض القبائل البدوية وعلى مقدمتهم قبيلة بني صخر وأوعز لهم بمهاجمة قافلتي الحج الشامي التي يقودها حسين باشا المكي بنفسه وقافلة الجردة التابعة لإيالته، وكان له ما أراد، فاجتاح بنو صخر قافلة الجردة في سبتمبر 1757م في المنطقة الواقعة بين القطرانة ومعان (شرق الأردن) ثم قاموا بمهاجمة قافلة الحج الشامي أثناء عودتها من الحجاز إلى الشام في أكتوبر 1757م في المنطقة الواقعة بين تبوك وذات صبح، كان الهجومان ساحقين، وبخاصة الهجوم على قافلة الحج والتي لم يبقِ منها بنو صخر ولم يذروا، فقتلوا عديدها ما بين حجاج وحراس وجنود ووصلت تعداد ضحاياهم لأكثر من ستين ألف شخص، ونهب بنو صخر جميع ما في القافلة وعادوا به إلى الجليل، وقد أفلت حسين باشا المكي من القتل بأعجوبة وفر مع نفر ضئيل من حاشيته حتى وصل إلى غزة واحتمى بها.

من المنصف أن نذكر اعتراض بعض المؤرخين على تحميل ظاهر العمر مسؤولية التحريض على الهجوم، وأيعازهم الهجوم لأسباب أخرى متعددة، لكن اعتراضاتهم تسقط - حسب وجهة نظر كاتب المقال - أمام عدد من الشواهد الأخرى، منها أن عرب بني صخر هاجموا القافلة مسلحين ببنادق المسكيت الفرنسية، كما أنه وفر الغطاء والحماية للقبائل المهاجمة للقافلة وراسل الباب العالي واصفاً قبائل البدو بأنهم أصدقائه وحلفاءه وتحت حمايته ولن يسمح لأحد بالاعتداء عليهم، كما أنه سمح لقبيلة بني صخر ببيع أسلابهم من القافلة في أسواق مدن إمارته وقد اشترى منهم بعضها ومنها العقال والمحمل النبوي (الذي يحمله أمير القافلة على هودج ناقته) وأعاد إرساله ، وقد أهدوه جميع الخيول التي كانت في القافلة والتي استفاد منها في تعضيد قوته العسكرية، بالإضافة إلى أن الأحداث اللاحقة ستثبت أن ظاهر لا يظهر أي تحرج من مهاجمة قافلة الحج رغم ما لها من حرمة دينية ورغم كون معظم المرتحلين ضمنها من حجاج بيت الله الحرام من المدنيين الذين لا علاقة لهم بخلافه مع الدولة وولاتها، وقد حاول الهجوم على قافلة الحج الشامي مرة أخرى بعد عدة سنوات باستخدام قواته ولكن الظروف وقتها لم تسمح له بإتمام مهمته، والأهم من كل ذلك، أن ظاهر العمر كانت له المصلحة الأكبر في مهاجمة القافلة والتي ستؤدي فوراً إلى تجنبه خطر حرب جديدة مع إيالة دمشق. بأي حال، فقد اضطر الباب العالي لإيجاد كبش فداء مناسب للكارثة التي حلت بالقافلة لتهدئة الناس الغاضبين من أهالي دمشق وأخذ السلطان باتهام حسين المكي لأسعد باشا العظم لكونه وراء التحريض على مهاجمة القافلة، والذي كان "مربحاً" أكثر للسلطان من اتهام ظاهر، نظراً للثروات التي راكمها أسعد العظم من الضرائب والمكوس طيلة أربعة عشر عاماً من الحكم والتي ستُصادر تلقائياً بمجرد تجريده من منصبه ولقبه بهذه التهمة المشينة، وقد قامت الدولة بتجريده من منصبه كوالٍ لحلب، ونفته إلى جزيرة كريت لمدة عام ثم أعادته إلى أنقرة وأمر السلطان بقتله.

في المحصلة، انتصر ظاهر العمر مجدداً على دمشق وولاتها، وكسب جولة جديدةً من النزاع رفعت أسهمه وجعلته يتفرغ لشؤون إمارته الداخلية حتى قام الباب العالي في السادس من نوفمبر من العام 1760م بتولية عثمان باشا الجورجي والياً على دمشق(6).

نظر عثمان الجورجي في بداية حكمه إلى الجنوب، ويمم وجهه شطر حيفا والطنطورة، وابتدأ أعماله العسكرية الأولى كوالٍ على دمشق بقيادته لحملة عسكرية على قلعة الطنطورة، فدخلها وقتل حاميتها الزيدانية وأعادها لحكام ومشايخ نابلس، بعد فترة قصيرة عاد ظاهر واستعاد الطنطورة بسهولة. علم عثمان باشا أن تأمين الطنطورة يحتاج إلى استعادة حيفا بكاملها، وحيفا - بفرمان سلطاني سابق - لا تدخل ضمن نطاق اختصاصه ومن الصعب عليه أن يطالب بها، لذا فقد بذل جهده من أجل استصدار فرمان جديد من الباب العالي يبطل القرار الأول ويعيد ناحية حيفا إلى سنجق اللجون، وعاجل ظاهر العمر في السابع والعشرين من مايو 1761م بحملة بحرية صغيرة توجهت ناحية حيفا في محاولة خاطفة لاسقاطها، فشلت المحاولة بشكل ذريع بسبب صغر حجم القوة الموكلة بالهجوم وبسبب التجهيزات العسكرية الدفاعية التي زودت بها المدينة قبل عدة أشهر فقط. عاد عثمان باشا الجورجي ليرسل قوة برية لمحاصرة حيفا في سبتمبر 1761م ولكنها فشلت كذلك واستسلمت لقوات ظاهر العمر.

أنبأت هذه المحاولات ظاهر العمر بخطورة وضع حيفا واحتمالية خسارتها في أية لحظة، خاصة وأنها أصبحت خارج نطاق نفوذه بأمر من الباب العالي، أوعز ظاهر إلى وكيله في اسطنبول يعقوب آغا بمحاولة حث الباب العالي على تغيير رأيه بخصوص حيفا وإبطال القرار الجديد، ونجح يعقوب آغا في استصدار أمر بتعليق العمليات العسكرية التي يجريها عثمان الجورجي ضد ظاهر، في ذات الوقت أقدم ظاهر على خطوة مجنونة، فقام بهدم مدينة حيفا القديمة وأزال أبراجها وأرسل مدافعها إلى عكا، وأسس إلى الشمال منها، على بعد عدة أميال، حيفا جديدة، بسور أقوى واستحكامات أشد، وميناء أوسع وخان أكبر، في موقع استراتيجي أكثر أماناً من موقعها القديم وأكثر قرباً من عاصمته في عكا. وما أن أنهى بناء مدينته الجديدة، في حدود العام 1766م، حتى نجح وكيله يعقوب آغا أخيراً في إيجاد حل نهائي لمشكلة حيفا، وذلك بعرض احتجاج كل من ظاهر وخصمه عثمان الكرجي بخصوص حيفا على قاضٍ عثماني، وبالفعل، أجري التحكيم على يد قاضي عكا ونجحت محاججة ظاهر في كسب التحكيم، حيث قال القاضي أن ظاهر اضطر لأخذ حيفا لحفظ ماله وصون نفسه وأنه الأحق بها لكونه الأقدر على حمايتها والأكثر قدرة على الاستفادة منها. هدأت الأمور بين الطرفين لعدة سنوات بعد إنهاء هذا الخلاف، والذي عاد ليتجدد وبشكل أكثر ضراوة وشدة في بداية العقد السابع من القرن الثامن عشر، وهو ما سيأتي تفصيله في الجزء الثالث من المقال.

لم يكن الخلاف بين ظاهر وعثمان باشا الجورجي يقتصر على المواجهة العسكرية أو الديبلوماسية فحسب، فقد قام كلاهما بنشاط استخباراتي داخل الأراضي الواقعة تحت حكم وسيطرة الآخر، فقد ذكرت بعض المصادر أن ظاهر قام بدعم ثورات سنجقي غزة والرملة ويافا ضد الحكم المركزي لإيالة دمشق خلال النصف الثاني من ستينات القرن الثامن عشر مستغلا علاقته الجيدة مع عدد من القبائل البدوية التي كانت تنتشر مضاربها قرب المدن الرئيسية لكلا السنجقين، وكذلك قام عثمان الجورجي بدعم بعض التمردات التي قادها - ضد ظاهر - بعض أبناءه خلال فترة الستينات من القرن الثامن عشر، وأوعز لبعض القوى المحلية في بلاد الشام بدعمهم ووعدهم بتوفير الغطاء السياسي لهم في حال استطاعوا إقصاء أبيهم من الحكم، فعلى سبيل المثال، دعم عثمان الجورجي - بالإضافة إلى متاولة جبل عامل بزعامة ناصيف نصار - ثورة علي الظاهر ضد أبيه في عام 1762م والتي انتهت بالصلح بينهما بعدما منح ظاهر لعلي التزام قرية دير القاسي، وفي 1765م ثار عثمان الظاهر على أبيه (للمرة الثانية، فقد كان قد تمرد ضد أبيه في 1752م كذلك) ولجأ إلى متاولة جبل عامل أيضا واستطاع بمساندة المتاولة الحصول على دعم عسكري لمهاجمة أبيه، وقد انتهت الحرب بين الطرفين بصلح تم برعاية الأمير منصور الشهابي وتحول العداء بين ظاهر والمتاولة إلى حلف قوي، وسيرد تفصيل العلاقة بين ظاهر والمتاولة في الجزء الثالث. يُضاف أخيرا أن عثمان باشا الجورجي دعم كل من علي وسعيد أبناء ظاهر في تمردهما على أبيهما عام 1776م إثر مطالبتهما بإلتزام مزيد من الأراضي والقرى وتحقق الصلح بينهم وبين أبيهم بعد عدة أشهر من الخلاف، وعاد علي الظاهر لإشعال فتيل تمرد جديد ضد أبيه في 1770م وتحصن في قلعة صفد بعد أن حاصرته قوات أبيه بدعم من المتاولة، وانتهى الحصار والخلاف فورًا بعدما علم الطرفان أن عثمان باشا الجورجي كان يخطط للتحرك عسكريًا ضد ظاهر بشكل مباشر، فأنهيا الخلاف وعاد علي إلى الخضوع لسلطة أبيه من أجل مواجهة التحدي الجديد.

ستتداخل الكثير من العوامل في المرحلة القادمة من الصراع بين ظاهر والسلطات العثمانية وسيصبح النزاع بينهم أكثر تعقيدًا وستشهد السنوات الخمس التالية تلاحقًا سريعًا للأحداث وحجمًا كبيرًا من التحديات التي لم يعهدها ظاهر مثيلها من قبل، وتفصيل ذلك سيكون محتوى الجزء الثالث من هذا المقال.



(1) أحمد آغا الدنكزلي، كان قائداً للمرتزقة المغاربة لدى الشيخ أحمد الحسين قائد قلعة جدين ومتسلمها، والذي خسر قلعته لصالح ظاهر العمر في ثلاثينيات القرن الثامن عشر، ويُقال أنه عندما دخل ظاهر بقواته المدعومة من عرب الصقر إلى القلعة لم يجد فيها سوى أحمد الدنكزلي الذي كان شاباً حديث السن ولكنه ذو خبرة واسعة بالعمل العسكري، فألحقه بقواته وما لبث أن عينه قائداً عليها.

(2) كما مر وسيمر معنا فإن ظاهر العمر لم يخسر في حياته معركة واحدة خاضتها قواته على الإطلاق، سواء كانت تحت قيادته أو قيادة آخرين من حاشيته، إلا عندما تواجه مع الجيوش الجرارة للمملوك المصري محمد بك أبو الذهب قبل نهاية إمارته بفترة قليلة.

(3) كانت مالطا في ذلك الوقت تحت حكم منظمة "فرسان مالطا" الدينية الكاثوليكية والذين كانوا امتداداً لمنظمة "فرسان الاسبتارية" التي تشكلت في فلسطين إبان الحملة الصليبية الأولى، معظم فرسانها من الفرنسيين وقد كانت ترى في مهاجمة المصالح التجارية العثمانية واجباً دينياً باعتبارهم أعداء للعالم المسيحي.

(4) تذكر بعض المصادر أن أسعد باشا العظم قد عُزل عن دمشق في 1757م، ولكن الأدق أن عزله كان في 1755م، حيث عزل عن دمشق ليُنقل إلى إيالة حلب ويستمر في حكمها لمدة سنتين قبل أن يقرر الباب العالي نقله إلى مصر، ولكن أهالي حلب كاتبوا الباب العالي يرجونه الإبقاء على أسعد باشا لما لاقوا من عدله وحسن معاملته، فأبقاه الباب العالي في مكانه لشهور قليلة قبل أن يعزله وينكل به وينفيه ثم يعدمه في أنقرة بسبب اتهام حسين باشا المكي، والي دمشق الجديد، له بالمسؤولية عن الهجوم على قافلة الحج الشامي في 1757م.

(5) اليرلية Yerliyya: قوات عثمانية محلية تأتمر بأمر الولاة العثمانيين في الأقاليم المختلفة وتوازي مكانتها مكانة قوات الانكشارية في اسطنبول، وكانت قوات الانكشارية أو الينيارجية (بمعنى: الجيش الجديد) فرق من المشاة تشكلت داخل الدولة العثمانية بأمر من السلطان أورخان الأول وزاد نفوذها وتدخلاتها في الشؤون السياسية.

(6) عثمان باشا الجورجي أو الكرجي (نسبة للكرج، وهي التسمية العثمانية لجورجيا)، كان مملوكاً لأسعد باشا العظم، غدر بسيده لدى الباب العالي ووشى بأماكن خزائن ثرواته جميعها وسلمها للباب العالي ولم يستبق منها شيئا لنفسه حتى يحصل على رضى السلطان، والذي أطلق عليه لقب "الصادق" وعينه لفترة وجيزة والياً على طرابلس (يناير 1760) ثم قام بنقله إلى إيالة دمشق.